فقط فى العالم العربي تدور عجلة التاريخ إلى الوراء

بقلم الخبير السياسى والمحلل الإقتصادى

دكتور صلاح الدوبى

رئيس منظمة “إعلاميون حول العالم” فرع جنيف- سويسرا

رئيس اتحاد الشعب المصرى

“عضو مؤسس في المجلس الثوري المصري”

تنهار الأمم عندما يجف تأثير الكلمة، والشعوب التي لا تغضب مرة في كل يوم يباركها الشيطان، والكاتب الهاديء والمسالم صيد ثمينٌ لقوىَ الشر، والضمير الذي لا ينتفض لاعتداء عسكر بلاده على آدميته؛ صاحبه خادم لدىَ سلطة بائسة.

كثير من الشعوب تفضل الصمم والعَمىَ وتقطع ألسنتها في تصوير مجازيٍ لتُبهج جنرال العسكر الطاغية، وتسْعِد كلابه ، وتنام ملءَ جفونها في محاولة لاقناع ضميرها الميت اصلا أنْ ينام هو الآخر.

وعندما تفقد الكلمةُ تأثيرها ومفعولـَها وقوتــَها تختفى المباديء والأخلاق والجدعنة والنُبـل إلى الوراء لتترك جزمة رجل الأمن يحل محل الصوتِ، وتغادر روح اللهِ القلب فتحتله على الفورِ ارتعاشةُ الرعب، واصطكاكةُ الخوف.

تحتضر الكلمةُ أو تمرض أو تضعف؛ فإذا ألقيتها في قلب مواطن جبانٍ ماتتْ قبل أنْ تصل إلى شفاتيه، وهنا تكون مصانعُ العبودية في أوجهها لتتحول من عبوديةِ قهرٍ إلى عبوديةٍ محبوبة

جنرالات العسكر في محاولتهم لتحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيهم، إنتهت الأمور بأولئك الجنرالات الاستبداديين إلى جعل رعاياهم يعيشون في حال أسوأ. يقول بوينو دي مسكيتا: “يمكن للأنظمة المستبدة أن تحاول، لكن محاولاتها محفوفة بالمخاطر كي نراهن عليها. من السهل أن يكون نظام الحكم لصوصياً، وتكون لدى أغلب الناس أفكار شريرة حقاً.”

يحدد الباحثون مشكلة مشتركة أخرى ترتبط بالأنظمة الشمولية. ليس الطغاة أشراراً حسب تعريف الكلمة، لكن العديد منهم يشتركون في مجموعة صفات شخصية مشؤومة. لعلهم يحملون معهم أوهاماً بسطوة لا حدود لها، إضافة إلى خصائص مثل الوسامة، والمجد والشرف، والهيمنة المقترنة بنقص التعاطف معهم.

يقول ستيفن بينكر، أستاذ علم النفس بجامعة هارفرد: “يُحتمل أن تناشد متطلبات منصب الطاغية أكثر الخصال الشريرة في جنسنا البشري، وعلى الأخص النرجسيين.”

هكذا، يظهر أن العيش في ظل نظام ديكتاتوري يحمل في طياته مساويء عديدة.

لا مستقبل للدكتاتوريات العسكرية الغبية!

لفترة طويلة من الزمن حظي الجيش في العالم العربي بسمعة جيدة. بيد أن الجماهير المنتفضة تتطلع إلى مستقبل آخر،فقط  فى العالم العربي تدور عجلة التاريخ إلى الوراء، فالعسكريون يفرضون وجودهم في كل من مصر ومرورا بالجزائر وانتهاء بالسودان. ويقومون بفرض سطوتهم ضد الاحتجاجات الجماهيرية حتى هذه اللحظة. و يخاطرون منذ مدة بوضع سمعتهم على المحك.

جنرالات فسدة أغبياء ومتعطشين للحكم   

لكن كل هذا يبقى ماضيا له بريقه. فالعسكريون جاؤوا بوعد إقامة دولة قوية لتقليص التأخر في التنمية مع الغرب. لكنهم باتوا في العقود الأخيرة متعطشين للسلطة وعفا عنهم الدهر وفاسدين. والجهاز الأمني لم يعد صالحا لحماية البلاد من أعداء خارجيين، بل للسيطرة على المواطنين. والفجوة بين الجيش كرمز للدولة القوية والمجتمع المحروم من التعبير عن رأيه تعمقت وتوسعت. وعلى أساس التفكير في لعبة حسابية بسيطة ـ إذا أعطيت الآخر شيئا، فسيبقى لي القليل ـ لم تعد الدول التي يسيطر عليها العسكر تقدم فرص التألق والمنافسة السليمة.

فالضغط المتولد داخل القدر ازداد إلى أن انفجر للمرة الأولى  بداية 2011. وأينما كان الجيش وجهاز الأمن والدولة العميقة ضعفاء، أمكن في دول مثل تونس والمغرب ـ ظهور تعددية اجتماعية جديدة. وأينما يفقد الجيش في المقابل من سلطته ونفوذه كما في مصر، فيظهر استعداده لكل شيء للدفاع عن هرم السلطة وخنق الحريات الاجتماعية

الجزائر والسودان يستطيعان بعد مضي ثماني سنوات على بدء ذروة الاحتجاجات الجماهيرية العربية أن تستفيدان من تجارب البلدان الأخرى لتجنب ارتكاب أخطاء. والمتظاهرون في الجزائر والسودان يقبلون في الحقيقة الاستفادة من العسكريين في فترة انتقالية لضمان النظام. لكنهم يشددون على أن يكون في اللجان الانتقالية عسكريين بجانب التمثيل المدني.

ساعة التاريخ المتوقفة في مصر

الأمر الحاسم سيكون مدى الوعي بالمسؤولية الذي سيبرهن عليه العسكريون. فمن خلال مثال مصر نرى كيف يمكن بالقمع بسط الهدوء في بلاد. لكن زمن الديكتاتوريات العسكرية الحديدية قد ولى. وبإمكانها ـ مثل في مصر ـ وقف الساعة. لكن المستقبل ليس في حوزتهم

لا يكف أسوأ نظامين دكتاتوريين داعمين للإرهاب في العالم العربي – نظام السيسي في مصر ونظام بن سلمان في الرياض ومحمد بن زايد فى الإمارات عن إطلاق النار على قدميهما. فخلال أيام قليلة اندفع النظامان يهاجمان بجنون نشطاء حقوق الإنسان، كاشفين عن انعدام الاستقرار النفسي الذي يعاني منه هذه الأفيال وضعف قبضتيهم على السلطة، وكل ما يفعلونه في المحصلة أنهم يمضون في تقويض شرعيتيهم.

من الواضح أن السيسي شديد الحساسية تجاه أصوله اليهودية وارتباطاته الصهيونية، ولا عجب في ذلك. فالغالبية العظمى من الشعب المصري، على النقيض من قلة قليلة خائنة داخل قطاع النخبة، لا يرغبون في العيش تحت الاحتلال الصهيوني ممثلاً بهذا الرجل الذي يعتبر الأسوأ سجلاً من حيث انتهاكات حقوق الإنسان في تاريخ النظام المصري، لدرجة أن بعضاً من الرموز السياسية من داخل المنظومة الحاكمة في مصر، يطالبون الآن بإجراء استفتاء على حكم السيسي، وهو المقترح الذي من شأنه لو طبق أن يؤدي إلى إسقاط هذا النظام. وفيما لو رفض السيسي إجراء الاستفتاء، فقد تعهدت نفس القوى التي أفرزت الثورة المصرية في عام 2011 بالعودة إلى ميدان التحرير لإتمام المهمة.

لقد بات نظام السيسي في مصر، مثله في ذلك مثل نظام محمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية، مفلساً من الناحية الأخلاقية والمالية، بل وبات رهن الاحتلال الصهيوني بدليل التفاني في خدمة ممثله في واجهة النظام الدولي الجديد ترامب.

“الخوف يجعل الناس أكثر حذرًا، وأكثر طاعة، وأكثر عبودية”، حكمة فطِن إليها الفيلسوف الإغريقي، سقراط، منذ القرن الخامس قبل ميلاد، وعمل بها أباطرة الطغيان على مدى قرون، ويبدو أنها لا تزال سارية المفعول إلى اليوم في عهد الديكتاتوريات المعاصرة، هذه الغريزة المسماة الخوف، التي يستخدمها طغاة العصر بتفنن لتحويل شعوبهم إلى جحافل من القطعان المرعوبة، العاجزة عن مساءلة حاكميها، وهو ما يضمن بقاءهم في السلطة بأريحية.

ومن أجل ذلك، تعمل الدكتاتوريات بتفان على نشر طاعون الخوف ببلدانها، موظفة مجموعة من الطرق الخبيثة لزرع الرعب في نفوس الناس من التغيير وتداعياته، ومن ثمّة جعلهم يقنعون بما هم فيه مهما ساءت أوضاعهم.

تصف مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التعذيب بأنه سلوك “غير إنساني”، وهو سلوك مجرم دوليًا، إلا أن الديكتاتوريات خاصة العربية منها، لا تتردد في إدخال معارضيها السياسيين وسجناء الرأي إلى أقبية سجونها السرية، التي تمارس فيها أسوأ أشكال التعذيب، من اغتصابات وصعق كهربائي وضرب مبرح، وغيرها من الممارسات الحاطة بالكرامة الإنسانية، والتي عادة ما تترك في نفوس الضحايا عاهات جسدية ونفسية دائمة.

وليس غريبًا حضور مختلف البلدان العربية في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية بخصوص التعذيب، إذ لطالما كانت السجون العربية منذ عقود غرفًا مظلمة من العذاب، تجرع فيها السجناء السياسيون والحقوقيون أسوأ أنواع التنكيل، وبرز في هذا الصدد النظام السوري الذي اتهمته هيئات الأمم المتحدة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان مرتبطة بالتعذيب، من بينها العنف الجنسي، في السجون ومراكز الاحتجاز التابعة له، بناء على أدلة موثقة جمعتها المنظمات الحقوقية منذ بداية الاحتجاجات في 2011.

وتلجأ الدكتاتوريات إلى التعذيب ليس فقط كسلاح من أجل إيقاع أقصى ألم ممكن في الضحية، بل أيضًا كإستراتيجية لزرع الخوف في باقي المنتقدين للسلطة، من سياسيين وناشطين وصحافيين، لتذكيرهم بالمصير الذي ينتظرهم إذا ما تجرؤوا على تجاوز الخطوط الحمراء، وهكذا يتراجع الكثير عن الإقدام على نقد الطبقة الحاكمة، مما يضمن للأخيرة حصانة داخلية من المساءلة.

التخويف بالأخطار الداخلية والخارجية

يقول بنجامين فرانكلين، وهو أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية، “أولئك الذين يستبدلون الأمن بالحرية، لن يحصلوا، بل لا يستحقون، أيًّا منهما”، حيث تستغل الدكتاتوريات حاجة الناس إلى الأمن قبل كل شيء، من أجل القبول بالوضع القائم مهما كانت المساوئ، إذا يظل خيارًا أفضل في نظر الكثير بالمقارنة مع احتمال تحول البلد إلى ساحة حرب، وبالتالي تسلم السلطة من ضغط الشارع فلا تضطر إلى التغيير.

ويتخذ هذا التخويف من التغيير صورًا مختلفة، فتارة يتم التهديد بالأخطار الخارجية مثل أطماع بلدان أجنبية في التدخل العسكري، وتارة أخرى تلجأ الدكتاتوريات إلى فزاعة الإرهاب والحروب الأهلية والجريمة إذا ما تم إسقاطها، مما يجعل كثيرًا من الناس يقنعون بالوضع القائم على علاته.

وعلى الرغم من أن احتمال وقوع هذه الأخطار يظل ممكنًا، إلا أن النخب الحاكمة في الدول الاستبدادية تعي جيدًا كيف تستخدم هذه الأخطار لصالحها من أجل ضمان بقائها في السلطة، بالتقاعس في محاربة الجريمة بالمجتمع، وغض الطرف عن أوكار التطرف، على سبيل المثال.

انتبه نحن نراقبك ونراقب فراشك

الناس مولعون بطبيعتهم بنسج الأساطير وعمل المخابرات السرية، وشاعت في السنوات الأخيرة مشاعر التوجس وسط المواطنين بالعديد من الدول الديمقراطية من اقتحام خصوصياتهم بعدما انكشفت “برامج التجسس”، التي تشتغل بها العديد من الحكومات الغربية لمكافحة الإرهاب والجريمة، حسب قولها.

وفي الحقيقة البلدان الدكتاتورية، هي التي عادة ما تستخدم القدرات التكنولوجية التجسسية في مراقبة الناشطين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين، الذين يقتضي عملهم انتقاد السلطة، وتُعد البلدان العربية زبونًا وفيًا لشركات بيع البرامج التجسسية، مثل شركة “هاكينج تايم” الإيطالية و”جاما” البريطانية و”ناروس” الإسرائيلية، حيث تستعين بها هذه الأنظمة من أجل بسط رقابتها على شبكة الأنترنت، هذا الوسط الجديد الذي بدأ يهدد مشروعيتها التقليدية.

ولا يقتصر دور الترويج للإمكانات الاستخبارية السرية فقط على قدرة السلطة في رصد منتقديها، وإنما يكمن الدور الأكبر في زرع الخوف في نفوس الناس من أن يكونوا مراقبين، مما يقوض حريتهم في التعبير والنقد سرًا وعلنًا، خاصة فيما يتعلق بالمجال السياسي.

وكان مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج قد قال في حديث متلفز له إن دولًا عربية اقتنت تكنولوجيات خبيثة للتجسس على مواطنيها، منها السعودية ومصر”، هذه الأسلحة التكنولوجية القادرة على اختراق أجهزة الهواتف والحواسيب والتلفزيونات الذكية وأنظمة قيادة السيارات.

تتبع الدكتاتوريات عادة قاعدة “عاقب القليل لكي يخاف الكثير”، لإقناع كل من سولت له نفسه انتقادها بأنه سيدفع الثمن عاجلًا أم آجلاً، كاستراتيجية تخويف حتى يتعظ بقية الشعب من أن يلقوا نفس المصير، فيتراجعون إلى الوراء ويتوقفون عن مطالبهم أو انتقاداتهم الحقوقية والسياسية، التي تغيظ من هم في السلطة.

ويكون هذا الانتقام الذي تلجأ إليه السلطة في حق معارضيها بأشكال مختلفة، قد يصل إلى الاعتداء وحتى الاغتيال من طرف جهات مجهولة، وربما يقتصر الأمر على تلفيق تهم جنائية لإيداع المستهدفين في السجن، أو على الأقل استثناء المنتقدين من امتيازات وحقوق تقدمها مؤسسات الدولة.

ويظهر هذا جليًا في عدد من البلدان العربية، حيث يتعرض الصحافيون والناشطون لعمليات انتقامية مختلفة، وبالرغم من أن الدولة غالبًا ما تنفي مسؤوليتها من تعمد الإضرار بالضحايا، إلا أن الرأي العام يدرك جيدًا الدوافع الحقيقية لتلك العمليات، فيتملك الناس الخوف من انتقاد السلطة، الذي من شأنه أن يهددهم بالانتقام بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

نسج الأساطير حول الدكتاتور الدموى

كانت الدعاية النازية تروج ليل نهار أساطير عن القائد الملهم، أدولف هتلر، بامتلاكه قدرات خارقة للطبيعة، ولا سيما أنه تمكّن من النجاة مرات عديدة من الموت المحتم، كان أبرزها محاولة الضابط كلاوس الذي خبأ قنبلة تحت طاولة اجتماع الضباط الكبار لتنفجر في هتلر، إلا أن الأخير لم يصب إلا بجروح طفيفة فيما قتل أربعة بعد انفجار القنبلة.

وهكذا يعمل الديكتاتوريون، إذ يحيطون أنفسهم بهالة من القداسة بفعل مجموعة من الأساطير المنسوجة حولهم، التي تمنحهم شرعية فوق طبيعية تجعلهم مترفعين عن النقد والمساءلة، إذ لا تكفي القبضة الأمنية لإخضاع الجموع الغفيرة، وإنما تتطلب الأخيرة بث شعور الهيبة في نفوسها اتجاه الحاكم لضمان سكونها.

غير أنه في ظل السياق العالمي المفتوح، حيث تحول العالم إلى قرية مرئية صغيرة، غدت الديكتاتوريات تواجه تحديات أكبر في الحفاظ على صورتها الزائفة، التي باتت تتآكل شيئاً فشيئًا تحت تأثير وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن منسوب وعي الشعوب الذي ارتفع بفعل عولمة المعرفة والتقنية.

2,343 عدد المشاهدات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *