الثورة السودانية بين النجاح والحرب الأهلية

بقلم الإعلامى المحلل السياسى

أحمد مشعل

ثورات الربيع العربي أثبتت أن الشعوب العربية لا تتحد في أفكارها كما لا تتحد في الطريقة التي تتعامل بها في القضاء على الظلم ، فلذلك اختلفت طبيعة الثورات من بيئة إلى آخرى ، ومن دولة إلى آخرى ، ففي سوريا رضوا بحمل السلاح ، وفي مصر قبلوا بانهيار الثورة وتسليمها إلى العسكر مرة آخرى ، وفي اليمن آخذت الثورة منحنى آخر ، وفي ليبيا سالت الدماء وما تزال تسيل ، وفي تونس رجعت في أيدي النظام القديم بطريقة ديموقراطية ، ويبقى الربيع العربي ينبض في الجزائر والسودان ، ولا يستطيع أحد بالتكهن بعاقبة الثورتين ، إلا أنهم تعلموا من دروس الثورات في مصر وغيرها ، فلا يأمنون للعسكر ، ولا يقبلون ببقاء النظام القديم ، ويحترسون من مؤامرة الدول الفاسدة المجرمة التي تتآمر على الآمة ، فقد قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية : إن الدعم الذي تقدمه السعودية والإمارات ومصر لجنرالات المجلس العسكري الانتقالي في السودان، يثير المخاوف من اندلاع حرب أهلية في البلاد .

الشعب السوداني يدرك حجم المؤامرة التي تحُاك بثورتهم ، لذلك هم يعرفون ما هي الخطوة القادمة التي يتوجب عليهم السير فيها ، فبعد فض إعتصام الثوار أما قيادة الجيش بحجة أنه خطر أمني على المجتمع ، لم تستسلم الكتل المعارضة ولم تهرب إلى الخارج ، ولم ترفع الراية البيضاء ، ليس لأنهم أكثر شجاعة من غيرهم من الشعوب العربية التي سلمت ثورتها كمصر وغيرها ، ولكن لأن كل الشعب يقف مع قيادة الثورة ، فلما أعلنت قوى المعارضة “والتي تقود الحراك” عن إضراب عام استجابت لهم جموع الشعب ، وذلك بخلاف الثورة في مصر ، فإن جزء كبير من الشعب المصري يقف مع العسكر ، ليس لأن العسكر في مصر خير بديل ، ولكن لان الشعب كان مخدوعاً بخدعة كبرى ، وعندما أفاق كانت الأمور قد استتبت للعسكر ، وكان ذلك هو أكبر درس استفادت منه الثورات في السودان والجزائر : “لا آمان للعسكر” أو ” العسكر لا يصلحون لقيادة دول”.

الشعب السوداني إستوعب الدرس من سوريا وليبيا بأن حمل السلاح طريق وعر ومحفوف بالمخاطر ، كما استوعب الدرس من مصر بأن تصديق العسكر أو الإرتكان عليه هي عودة إلى الجحيم .

لا شك أن الحرب الأهلية في السودان في حالة إندلاعها ستمهد الطريق إلى تقسيم السودان إلى دويلات صغيرة لا قيمة لها ، وترك العسكر في الحكم يعني الرجوع إلى الحلقة المغلقة والتي قامت عليها الثورة ، ونسيان أقل مطالب البشرية والشعوب في الحياة كغيرها من الآمم.

لجوء الثورة السودانية إلى الإضراب العام والذي أبدى نجاحاً كبيراً سوف يزلزل أركان المجلس العسكري ، والذي أبدى تراجعه وندمه على فض إعتصام القيادة العامة ، وأخرج بالآمس بياناً يعترف به أن فض الإعتصام كان فيه خطأ كبيراً ، ويدعو المعارضة للتفاوض .

المجلس العسكري السوداني ليس أمامة حلولاً كثيرة ، إما أن يقبل بتسليم السلطة فوراً لمجلس رئاسي من المدنيين يمثل كل قوى الشعب ، ومحاكمة من آمر أو قام بفض الإعتصام ، أو أن يعلن الحرب على الشعب ، وفي هذه الحالة لن تسير الآمور على ما يتمنى ، بل ستسير على هوى بلاد المؤامرة (مصر ، السعودية ، والإمارات ) ، وستصل إلى تقسيم السودان وانهياره .

مستقبل السودان مرهوناً الآن بقوة الشعب في الصمود ، وتمسكه بحقه في تقرير مصيره ، والقبض على زمام الآمور ، كذا بعقلانية المجلس العسكري وقدرتهم على إستيعاب الدروس من التاريخ ، وخوفهم على بلدهم ، وتقديم مصالح البلاد على مصالحهم الشخصية .

وبين هذا وذاك يبقى مستقبل الثورة السودانية في علم الغيب ، وإن كانت ملامح النصر قد بدآت تلوح في الآفق ، وتنذر باقتراب تسليم المجلس العسكري زمام الأمور للشعب ، مالم يتتدخل شياطين الإنس من دول المؤامرة ودول كبرى كأمريكا وأوربا ورسيا ، لإشعال وتيرة الحرب وتقسيم البلد ، ووضع أيديهم على مقدرات السودان بشكل رسمي .

3,839 عدد المشاهدات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *