(( راحـــــيل ))

بقلم الأديب الكاتب

محمد عبد الله زين الدين

 في الزمن الغابر كان هناك رجل ثري يدعى بأبي الرضاب وكان يحوز على اموال طائلة وضياع وارفة الظلال ومترامية الاطراف وقصور مشيدة تطلق نوافير حدائقها ماء الورد في كل وقت وحين , وتدق وساوس خلاخيل كعوب الكاعبات و تتلاعب خصورالمحظيات من الغواني والاموان اللائي كن يميلن ميلا شديدا على الاديم المرمري في تلاق ورشاقة ينخلع لها قلوب الناظرين خلعا , وتطلق الجواري و الغانيات حناجرهن لتنساب عربهن مع رنات العيدان لتملأ المكان سرورا وحبورا بلظى من الاشواق والمشاعر المتأججة الجياشة فتشرأب الاعناق و تتطلع للفوز بلحظ من عيون الدعجاوات المترنحات مع همسات الانفاس بعبق المباخر وسحابات العشق , وكان ندماء ابي الرضاب من الولاة وعلية الناس ياكلون جلوسا على طنافس من الديباج واسمطة ممتدة تتحمل قنينات الشراب وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون من مطايب اللحوم الى أطايب من الرمان والاعسال والفواكه النضرة ومشتهى مما لذ وطاب .

وهم يرفلون بالبسة ممهورة من الدمقس وتطير البلابل خلال الحضور في ظلال من الاضواء الخافتة تضفي على المكان هياما وتحليقا , هكذا كانت اوقات ابي الرضاب , لاهي عابث قد ورث امواله تلك وهو لم يتجاوز عقده الثالث , وتمر الاعوام ولما كانت الحياة الدنيا ليست على وتيرة واحدة بدأ الشيب يخط في مفرقه خطوطا مما جعله يفكر في من يرث كل تلك الاموال , وبينما هو غارق في تأمله هذا يأتيه خبر عن محظيته الدمشقية وهي تتلوى من الالم وسقطت امامه حين وصوله لها مغشيا عليها , ولما كانت عزيزة المنزلة على قلبه , استدعى طبيب القصر على الفور حيث أتى مهرولا لايلوي على شئ الا ان يلبي النداء .

 ولما افاقها انزوى بأبي الرضاب ليخبره بأن جاريته حبلى , جن صواب ألرجل وقد بش في وجه الطبيب ومنحه صرة ذهب , اما الدمشقية فكانت تعاني الهزال ولا تقوى على الكلام , في سكون وصمت بدأت حياة ابي الرضاب تهدأ رويدا رويدا وتتحول الى حياة ساكنة فأبو الرضاب الان في حال آخر , وكيف لا وهو الذي طالما ينتظر من يخلفه في امواله وضياعه ولم تأتي البشارة من زوجاته بل جاءت من احب محظياته , انها ادمشقية والتي مات زويها جلهم وسلبت اثناء غاران العربان الملاعين وأخذت سليبة وبيعت في سوق الاماء وقد بذل ابو الرضاب كل غال ونفيس للحصول عليها لا لشئ غير جمالها وحسن معشرها وايضا لشئ خفي لم يدري ماهو , وهاهي الان قد جاوزت شهور الحبل وجاء اليوم الموعود لينكشف اللثام عن صبي رائع الحسن والجمال مما حير والده عما يسميه ولم يخطر بباله انه سوف يكون له حظ من اسمه فقد سماه راحيل , فلم يدر بخلده انه سوف يكون اسما وحدثا فيما بعد .

 تبدل الحال وتحولت الأمة الى حرة بل وقربها ابو الرضاب اليه لتتمكن من كل قرارات القصور والضياع , كما تحولت حياة ابي الرضاب الى الله فأحس بأنه مدين الى الله فطفأت الاضواء وباتت قاعاته خاوية وهدات رنات العيدان وغيم على الجميع الصمت , حتى ندماء الامس انسلوا واحدا واحدا يبحث عن ماخور يحتسي به الخمر او حضن غانية او داعرة , وترك الجميع ابا الرضاب لحياته الجديدة الهادئة , وكأن الله تعالى قد اذن له بالهداية وحسن الخاتمة , وبينما هو جالس ذات يوم اذ جاءه من يدعوه للداخل على الفور , ليجد حثمان ابنه راحيل مسجى والدمشقية زوجته منهارة تفيق لتصرخ فتعود الى اغمائها مرة أخرى والرجل في ذهول لايصدق ما يجري امامه من احداث , فأخذ وليده بيده يهزه هزا ليفيق ولكن لااستجابة جاء الطبيب مهرولا, وخرج مطأطي الرأس وعيناه تنم عن مالا يرضي الوالدين .

 ويبتلع ابو الرضاب احزانه وينزوي هناك عند قبر ابنه وتمر الايام والشهور وهو على ذلك الحال , ولايستمع لنصح المقربين له بالعودة لذويه , وذات ليلة وهو ينظر لقبر ابنه طرق في غفوة ورأى ملك آت اليه مع ابنه ففرح به كثيرا , وحينما هم ليأخذه في أحضانه تحول الطف الى جنين , بل رأي عكس مراحل التكوين الى ان وصل الى النطفه امسكها المك ووضعا في يده وقال له خذ هذه نطفتك لانأخذها منك !! وهنا استفاق الرجل من الكرى ودموعه تنهمر حتى ابتلت لحيته , ورفع رأسه الى السماء قائلا غفرانك يارب , وظل جالسا حتى الصباح في حالة ندم وأسف , وبينما هو يهم بالوقوف اتت اليه جارية من جواريه تبشره بقدوم صبي آخر قد انجبته الدمشقية فقد اصابها بالحبل قبل وفاة راحيل ولم يكن يعلم ان الله قد ارسل له من يؤنس وحشته في الحياة الدنيا , ولم يصدق صاحبنا الا لما رأى الصبي وكأنه كان توأم راحيل ولم يفكر كثيرا حين سماه هو الآخر راحيل , واصبح راحيل هذا الجد الاكبر لآل راحيل .

((محمد عبد الله زين الدين ))

( انتهى )

.

.

10,136 عدد المشاهدات