ماهي القيم؟ وكيف نحققها؟ “الجزء الأول”

بقلم الأديب الكاتب

د. محمد سعيد آل تركي

لقد فوجئت في يوم شديد البرد، تغطي أرضه طبقة سميكة من الثلوج البيضاء في مدينة فيينا بالنمسا، بسؤال ذلك الشخص الأوروبي الذي قدمت له المساعدة في دفع سيارته المُحجمة عن العمل بسبب البرد الشديد، حيث سألني عن سبب مساعدتي له، أي ما الذي دفعني لمساعدته، وقد فاجأني بسؤاله هذا الذي لم أجد له جواباً، فتلعثمت حينها وأخذت يداي تتحركان تعينان لساني، منبئة سائلي أني لا أجد لتساؤله جواباً، أو أني لم تسعفني بديهيتي أن أجيبه من فوري، فلم أتوقع سؤالاً كهذا قد يطرح عليّ يوماً، ولم أكن قد استحضرت إجابة له، ولكني علمت لاحقاً أنه كان سؤالاً مهماً على أصعدة كثيرة.

في الحقيقة لم أفكر قبل هذه الحادثة في الدوافع التي تدفع الإنسان عادة لأن يعين أو يقدم مساعدة لشخص آخر لا يعرفه، أو ينقذه من هلاكه، أو الدوافع التي تدفعه للحزن أو التأثر للمصائب التي تصيب آخرين لا يعرفهم.

وبصفتي مسلمٌ ونشأت بين المسلمين فقد اعتدت على القيام بفعلٍ كهذا من دون التفكير في الدوافع التي تدفع الإنسان لمساعدة الآخرين، فذلك قد أصبح سجية من السجايا التي اكتسبتها كأيّ مسلم، وذلك من خلال مجمل الأفكار التي تبناها المسلمون وتربوا عليها، والتي قامت أساساً على الإيمان بالله وتحري إرضائه وكسب محبته ورجاء الفوز بجنته.

وقد قامت عقيدة الإسلام وأفكاره ونظامه بصياغة العادات والتقاليد في المجتمع المسلم وسلوك أفراده، حتى أصبحت سلوكياتُهم عاداتٍ ليست في حاجة إلى مراجعة دوافعِها عند القيام بها، ولذلك كان من الطبيعي عند المجتمع الغير إسلامي كالمجتمعات الغربية أن تكون أفعال كهذه وسلوكياتٌ غيرُ مبررة مادياً، من المسائل المثيرة للتساؤل والاستغراب.

ولنَعد إلى سؤال ذلك الأوروبي الذي قد أرشدني سؤالُه إلى عدة مسائل مهمة، أولها أنه قد توجب عليّ أن أكون على علم ودراية عن ماهية الخدمة التي قدمتها له، شأنها شأن كل الأفعال التي أقوم بها، وعلى علم بالمصلحة التي أجنيها من وراء الأفعال، وثانيها إنه يجب أن يكون وراء كل فعل يفعله الإنسان قيمة تتحقق، ثم أرشدني من حيث لا يعلم أن الغربيين ليسوا سذّجاً، وعندهم وعي ودراية بالقيم التي تتحقق من خلال أعمالهم، أي هم على وعي ودراية بمبدئهم الرأسمالي، على خلاف المسلمين حالياً الذين فقدوا فهْم الرابط الذي يربط “سلوكهم بفكرهم، وبالتالي ربْط الأفعال بالأسس التي قامت عليها.

ولذلك فإني رشُدت إلى مسألة القيم التي تتحقق من خلال الأفعال، وإلى أن لكل فعل من أفعال الإنسان قيمة يحققها، معلومة كانت لديه أم مجهولة، فلا يخلو أي فعل من أفعال الإنسان مطلقاً من دافع معين وهدف، بل هو مقيد بالفكر الذي يحمله الفاعل، ولنتحدث هنا عن القيم التي يحققها الإنسان، وما علاقتها بالفكر الذي يبني عليه أفعاله.

لو تفكرنا بعمق لوجدنا أن هناك أربعة من القيم لا خامس لها، تتحقق من خلال أفعال الإنسان، أو لنقل إن مجمل القيم التي بالإمكان تحقيقها في واقع الحياة من خلال الأفعال هي أربعة لا خامس لها، فالقيمة المادية والقيمة الإنسانية والقيمة الأخلاقية والقيمة الروحية.

ولا يعتمد تحقيق هذه القيم على رابطها الفطري الغريزي بل تتعداه إلى الرابط الفكري، حيث قد تشترك أكثرُ من قيمة من هذه القيم في عمل واحد، مثلما قد تتفرد إحداهن بالعمل الواحد، وتختلف كيفية القيام بالأعمال وغاياتُها عند ارتباطها بهذه القيم، وكذلك باختلاف المبادئ أو الأفكار التي يحملها الإنسان.

القيمة المادية:

الأعمال التي تُوظف لتحقيق القيمة المادية، هي كل تلك الأعمال التي يُسعى للوصول بها إلى الشيء المادي الذي يرغبه الإنسان ويحبه من الحاجيات الدنيا، كالمأكل والمشرب والمسكن وتأمين حياة اجتماعية (زوجة وأبناء) والرفاهية والأمن، وتوفير كسب مادي يُشعر بالأمان والطمأنينة، أو يتعداه إلى السعي للشهرة والجاه أو السلطان وغير ذلك كثير.

أما على المستوى الجماعي فالاحتياجات المادية كثيرة للمجتمع ككل في العلاقات على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، وفي توفر المصالح العامة في جميع جوانب الحياة من الماء والكهرباء والأمن والمواصلات والصناعة والزراعة والصحة والتعليم، وموجبات العزة والكرامة والنهضة بشكل عام، وتحقيق الرفاهية، كل ذلك يعتبر من الاحتياجات الضرورية المادية.

أما على المستوى الدوْلي، فنهضة الدولة الواحدة من أهم مجريات القيم المادية التي تسعى لها الدول، وتواجه فيها الدول الأخرى، والتي تتحقق ابتداء بحريتها واستقلالها، وانتهاءً بتحقيق الاكتفاء الذاتي وصناعة هيبتها بين دول العالم.

القيمة الإنسانية:

هي التي تتحقق من خلال أعمال محددة يقوم بها الإنسان تجاه غيره من بني الإنسان، تكون في هذه الأعمال رحمة للناس ونفعاً وخيراً لهم أيا كان دينهم أو مذهبهم، دون أن يكون لهذه الأفعال ما يخالطها أو يغلفها من مصالح مادية شخصية.

استهداف تحقيق قيمة كهذه ليس في حاجة إلى فكر أو علم عند الإنسان، فهو ينطلق طبيعياً من الفطرة الغريزية، فيأنس الإنسان لمساعدة غيره من بني الإنسان، ويأنس للسلم والعيش معهم وبينهم، ومساعدتهم والفرح والحزن معهم، وتفجعه فيهم الفواجع، وتؤلمه فيهم الكوارث، حتى ولو لم يكن يعرفهم.

إلا أن الميل إلى تحقيق القيمة الإنسانية في الواقع العملي ينتفي كلية إذا ما كان في ظاهر تحقيقها تعارض مع المصلحة أو القيمة المادية، ولذلك فإن الجود والتضحية في هذا السبيل قد لا يكون له وجود مطلقاً بين بني الإنسان لمجرد الإنسانية، لأن المصالح عادة تُقدم عندهم على أعمال لا يتأتى من ورائها مكاسب مادية، عدا ما نراه في علاقة الأبوين مع وليدهم، فالإنسانية تبرز في أسمى صورها طبيعياً وبدون فكر أو تكلف أو قصد أو مكاسب مادية.

القيمة الأخلاقية:

هي القيمة التي تتحقق عندما ينتهج الإنسان سلوكاً راقياً تجاه نفسه وتجاه غيره من بني الإنسان عند قيامه بأعمال تُعزى إلى الأخلاق الفاضلة كالصدق والأمانة والإخلاص والبر والنجدة والإحسان والوفاء والعفة وغير ذلك كثير، هذا السلوك الراقي مقيد دائماً بالفكر، هو والقيمة التي يجرها وراءه، وليس منوطاً بالغريزة وحسب، بل الغريزة ليس لها إلا موضع الموافقة والاستئناس لسلوك الخير والاستياء لسلوك الشر .

أما الجانب الفكري الذي يعالج هذا السلوك الراقي والمُسمى عند بني الإنسان “الأخلاق الحميدة” هو الذي من شأنه يحقق الخير لهم فيما بينهم، أي يحقق القيمة الأخلاقية، فإن هبط الفكر وتدنى، تدنت معه أخلاق الإنسان وسلوكه، وتدنت معه بالتالي كمية القيمة الأخلاقية.

أما إذا تعارض تحقيق القيمة الأخلاقية عند المتخلق بالخلق الحسن مع مصالحه، أي عند تحقيق القيمة المادية فلن يكون للتضحية عنده أي موضع أو إعتبار، إلا إذا كان الفكر المُقرِر لهذه الأخلاق الحميدة عند هذا أفكاراً متأصلة لا تتغير بتغير المصالح، وتنطلق من مبدأ لا تُقدم فيه المصالح على الأفكار، ففي هذه الحالة يكون الاتصاف بالأخلاق الحميدة قد رقي فوق التضحية ليصبح فكراً فمنهجاً ثم يكون سجية من السجايا تتشكل حياة أصحابها وسلوكهم بشكلها.

القيمة الروحية:

تتحقق هذه القيمة عندما يقوم الإنسان بأعماله، بالكيفية التي أمره الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بها، وبالكيفية التي نهى عنها، فكلما ازداد إدراك الإنسان لوجود الله وازداد ارتباطه به وبحب رسوله، كلما ازداد التزامه بإتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وكلما بالتالي تحققت القيمة الروحية من خلال أفعاله.

يتميز تحقيق القيمة الروحية عن باقي القيم بتجاوز كل المصالح والأهواء في حياة الإنسان والمجتمع والدول، فهي تنطلق من خلال عهد مع الله على اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وعهد بعدم نقض شيء منها، وافقت هوى المتبع أم خالفته، فإذا ما كان ذلك، أصبح كل فعل يفعله الإنسان مقيداً بالكيفية التي جاءت في إطار هذه الأوامر والنواهي، وعلى هذا الأصل تتشكل الحياة بشكل متميز، وعلى هذا الأصل تكون الأعمال حينئذ أعمالاً روحية تتحقق فيها القيمة الروحية، وهذا ما يُسمى بمزج المادة بالروح.

لا يقتصر في الحقيقة هذا القرار المصيري على الأفراد والمجتمع، بل يتعداه إلى بناء الدولة، بالكيفية التي أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم إقامتها في المدينة المنورة، وسار على نهجها الخلفاء من بعده حتى عهد سقوطها على يد أعدائها.

لقد كانت هذه الدولة تسمى دولة روحية (تمزج المادة بالروح) أو إسلامية، كون أنها كانت مُقيدةً أعمالها باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وتحقيق القيمة الروحية في كل أعمال الدولة، الخارجية والداخلية والتعليمية والعسكرية والقضائية وغيرها. ولذلك يستطيع الدارس أن يفهم الدعوة العلمانية العدائية لدولة الإسلام، والمسماة بفصل الدين عن الحياة، والتي تطالب بأن تنسلخ أعمال الدول من الدين، كأساس تقيم عليه أحكامها، وتحت مسمى فصل الحياة عن الروح.

أما إذا لم يُعطَ للإيمان بالله اعتبار، يعني ذلك أن فكرة تحقيق القيمة الروحية عند القيام بالأعمال تنتفي كلية في واقع الحياة والعلاقات الإنسانية، ويتبقى الاعتبار فقط للقيم الأخرى ابتداء بالقيمة المادية وانتهاءً بها، وعلى هامشها القيمتان الإنسانية والأخلاقية.

أما أين موضع التضحية لتحقيق القيمة الروحية دون القيمة المادية؟ إن التضحية في هذا الشأن لا يمكن الحديث عنها إلا إذا تحقق الإيمان بالله على حقيقته، والإيمان بالتشريع المنزل من عنده، لأن الإنسان المتبع يكون قد باع نفسه ومصالحه ودنياه لله سبحانه وتعالى، وللأوامر الصادرة من عنده، فيكون تحقيق القيمة الروحية عنده مقدمة على كل القيم الأخرى وخاصة المادية منها، لأن المُتبِع يعلم يقيناً أن دين الإسلام قد جمع تحقيق كل القيم تحت مظلته، وأحيانا من خلال حكم واحد من أحكامه.

2,423 عدد المشاهدات

تعليق 1 “ماهي القيم؟ وكيف نحققها؟ “الجزء الأول”

  • 27 مايو، 2019 at 1:10 صباحًا
    Permalink

    مقال قيم، زادكم الله علما ونفع بكم.

Comments are closed.