السعادة “الجزء الثانى والأخير”

بقلم الأديب الكاتب

د. محمد سعيد آل تركي

كما ذكرنا فى “الجزء الأول” فإن كل البشر لديهم حاجات عضوية يجب إشباعها، وإلا تعرضوا للموت، ويكون إشباعها بتوفير المأكل والملبس والمشرب والمسكن لهم، وعندهم حاجة للحفاظ على أمنهم وأموالهم وأرواحهم وأعراضهم، وهم في حاجة إلى رعاية أمنية وحماية الدولة لهم من الشرور والأضرار.

أما عن الغرائز الطبيعية، فلدى البشر غرائز تتمثل في غريزة البقاء التي يتم إشباعها عند إعطاء الإنسان حق العمل وحق الإنتاج، وحق التملك والسلطان على نفسه وماله وعلى من يعولهم، وحق التصرف في رعايتهم وتربيتهم وحمايتهم.

وعند الإنسان غريزة النوع التي تتطلب الإشباع، وذلك بتمكين الإنسان من الزواج وبناء الأسرة وإنجاب الأبناء وتربيتهم ورعايتهم. وعند الإنسان غريزة التدين التي يلزم لإشباعها إعطاءَ تفسيرٍ صحيحٍ لخلق الإنسان والكون والحياة، تفسيراً يُقنع العقل ويُوافق الفطرة ويملأ القلب طمأنينة، ويوجهُ ظاهرة التقديس عند الإنسان إلى عبادة خالقه، والتحررِ من عبودية البشر والسلطان والشهوات.

حياة البشر ستضطرب، وكذا حياة الإنسان الفرد، وتسود حالة من الفوضى عند اضطراب تفسير مسألة الحاجات العضوية والغرائز تفسيراً صحيحاً، لأن تفسيرها تفسيراً خاطئاً يعرّض كيفية تنظيم إشباع هذه الغرائز والحاجات العضوية إلى اجتهادات خاطئة على المستوى الفردي أو النظامي أو الدولي، وتعتمد في فلسفتها حالياً على الصراع من أجل البقاء، أو على مناهج فلسفية أخرى متنوعة، تدفع إلى تصادم الناس والشعوب والدول والأمم بعضها ببعض، وتقوم على تسلط القوي على الضعيف، وفلسفات تقوم على احتكار أصحاب رؤوس الأموال للتجارة والأسواق، وتؤدي إلى هيمنة الدول القوية على البلدان والشعوب الضعيفة. وهذا ما نراه يحصل اليوم في العالم.

لا يوجد اليوم تفسير صحيح لقضية الغرائز والحاجات العضوية، وكما قلنا فإنها تعتمد على فلسفات ذات نتائج كوارثية على الأفراد والمجتمعات والأمم. ولكن لو اعتبرنا جدلا وجود تفسير صحيح لمسألة الغرائز والحاجات العضوية عند المنظرين اليوم، فإنه لا يوجد فكر يجتمع عليه الناس جميعا في كيفية إشباع تلك الغرائز والحاجات العضوية إشباعا كليا يحقق لهم مجتمعين قدراً كريماً من السعادة، والسبب في ذلك، أن التفسير الصحيح لقضية الغرائز والحاجات العضوية يحتاج إلى مسألتين جوهريتين:

الأولى: وجود نظام عادل وشامل يقرر العلاقات بين الناس بعضهم ببعض، ويقرر العلاقات بين الدولة والناس، والعلاقات بين الناس والدولة، ويقرر الحقوق بين جميع الأطراف منفردين ومجتمعين، ويُشترط في هذا النظام العدل وانعدام الظلم بين الناس جميعاً، في جميع الأحوال والأوقات والظروف، وأن لا يُغلّب فيه أحد فئات المجتمع على الأخرى، ولا يُفضّل فيه أحدٌ على آخر، فلا يَسعدُ بعضُهم ويَشقى أخرون.

إن النظام الذي يمتلك القدرة على إسعاد الناس جميعاً دون آخرين، هو النظام الذي يكون فيه الإنسان الفرد موضع الاهتمام والعناية، وليست الاعتبارات الاقتصادية أو غيرها، أي يجب إخضاع جميع الأنظمة لإسعاد الإنسان، وليس العكس من ذلك، وكذا يجب أن يكون النظام شاملا لكافة العلاقات الاجتماعية كما يشمل العلاقات الاقتصادية والسياسية والقضائية وأنظمة الحماية والأمن، ويجب أن يتم تفعيل النظام والقيام على حمايته وتنفيذه في السراء والضراء، والسر والعلن من ضمن النظام وقواعده وأحكامه.

المسألة الثانية: الإيمان، يجب على المجتمع الذي تتقرر في حقه هذه الأنظمة أن يكون مؤمناً بها حق الإيمان، ومؤمنا بضرورتها وصلاحها، ويرى وجوب قوامته عليها وعلى تطبيقها، وعنده القناعة أن الحياة لا تَصلُحُ إلا بهذه الأنظمة، وبها يَسعدُ الإنسان ولا يشقى.

هذه الحقيقة وهذا التصور لن يكون ممكناً، إلا إذا رأى الإنسان المطبّق لهذه الأنظمة موافقة هذه الأنظمة لفطرته وتحبها نفسه، وتقنع عقله، وتملأ قلبه طمأنينة، فيقوم على تطبيقها راضيا مطمئناً مع وجود رقابة الدولة أو بعدمها، وفي غياب الرقابة أو حضورها، ولنضرب لذلك مثالا، فالإحسان داخل الأسرة لن يستطيع النظام فرضه على الناس، لا بقوة الجندي ولا بصرامة القانون، وكذا أفعال الأمانة والصدق والبر والرحمة بين أفراد الأسرة أو خارجها لا تستطيع الدولة مراقبتها أو القيام عليها، ولكن إذا آمن الناس جميعُهم بهذا النظام كما وصفنا فلن يتوقف هذا الإحسان والبر والصدق والأمانة والرحمة داخل الأسرة أو خارجها، لأن الناس يكونون قد آمنوا بهذا النظام وحرصوا على تطبيقه، راضين مطمئنين، بوجود الدولة أو بعدمها، وبوجود رقيب بشري عليهم أو بعدمه، تبقى ثابتة لا تتغير في وقت الكوارث والحروب، أو في وقت النعيم والسلم، وقت الحاجة والفقر والجوع أو في وقت الكفاية والنعيم.

والمشاهد لهاتين المسألتين اللتين تعتبران شرطا لتحقيق السعادة للفرد وكافة المجتمع يشعر أن تحقيق السعادة بهذه الكيفية وبهذا التصور أمرٌ معجزٌ وخيالي.

نعم إن تحقيق السعادة عند الأفراد والمجتمعات بهذه الكيفية التي ذكرنا أمرٌ معجز وخيالي في ظل الأنظمة والأفكار السائدة في العالم اليوم، ويستحيل تحقيقها وإيجادها بين الناس، فالأنظمة الرأسمالية اليوم أو الاشتراكية البائدة أو الأديان اليهودية والنصرانية والبوذية وغيرهم يعجزون عجزاً واضحا ومؤكدا أن تقدم للناس شيئا من مقومات السعادة كما نرى.

المقومات المقصودة هنا، هي الفكر المقنع الثابت القائد والموصل للسعادة، التي عجزت الأنظمة العالمية اليوم وكل الأديان المزعومة أن تقدمه للناس، لا على المستوى الفردي ولا على المستوى الجماعي أو الأممي، كذلك فهي لم تفسر السعادة تفسيراً صحيحاً، ولم تفسر حاجات الإنسان وغرائزه تفسيراً صحيحاً، ولم تضع أنظمة يؤمن بها الناس، ولم تُوجِد أصلاً أنظمة صالحةً لكل الناس، فأشقت سعيدهم، وزادت شقيهم شقاء، فالكل شَقيٌ بهم وبأفكارهم وأنظمتهم وقوانينهم وشَقيٌ بحريتهم المزعومة.

لم يشهد العالمُ شقاءً للإنسان لغياب مقومات السعادة فيها وشروط تحقيقها مثلما يحصل اليوم، حيث انقسمت الأرض إلى فسطاطين متغايرين وغير متساويين، فسطاط المجرمين المهيمنين على العالم ومقدراته، وفسطاط المقهورين والمعدمين والفقراء والجائعين والمرضى الذين يخضعون لهذه الأنظمة والأديان، فكل فسطاط شقيٌ بنفسه، وشقيٌ بما آل إليه من سوء في الأخلاق وسوء في المعيشة والعلاقات.

كيف تتحقق السعادة للأفراد والمجتمعات والأمم:

من هنا يتبيّن أنه لتحقيق السعادة، يجب أن تكون عند الناس عقيدة عقلية صحيحة يعتقدونها، بحيث ينبثق من هذه العقيدة وليس من غيرها نظامٌ كاملٌ، يعطي تصوراً شاملاً ومقنعاً لكافة علاقات الإنسان مع نفسه ومع غيره من بني الإنسان ومع خالقه، فإن كانت العقائد باطلة كالعقيدة الرأسمالية والعقيدة الشيوعية، كان الأساس لتحقيق سعادة الإنسان من أصله باطلاً، أو إن كانت العقيدة عقيدة روحية كالعقيدة النصرانية أو اليهودية، ولا تمتلك نظاما ينبثق منها وتفتقد الشمولية لعلاقات الإنسان، فسيلجأ الناس إلى تنظيم حياتهم بأنفسهم، ويرسمون بأنفسهم لأنفسهم أحكاما تتعلق بعلاقاتهم، وهذا الذي وقع فيه العالم اليوم من السوء، عندما عجزت جميع المبادئ الدنيوية والأديان بشكل طبيعي أن تقدم نظاما بإمكان الناس الإيمان به وحمله والعيش به، وهذا ما حصل، فقد تُرك للناس اليوم في العالم الحرية في فعل وقول ما يريدون، بعلم أو بغير علم، صحت تلك الأفعال والأقوال أو أخطأت، ظلمت النفس والناس أم لم تظلمهم.

وهنا وقع العالم في شقاء عظيم، نراه اليوم بأم أعيننا، وقد أصبحت أفكار الناس عن العلاقات متناقضة ومتضاربة ومتغيرة ومختلفة، وأصبحت المفاهيم عن الأشياء في الحياة وأفعالهم وأقوالهم كذلك، وخضعت لهذا التضارب والتصادم والتغيير سياسات الدول الاقتصادية والاجتماعية المطبقة على الناس، استناداً إلى فلسفات السياسيين والمفكرين والمنظرين، وبحسب المصالح العامة والخاصة.

 من هنا يتضح لنا ويتأكد أنه لابد من وجود عقيدة عقلية صحيحة يؤمن بها الناس، ونظام صحيح ينبثق من هذه العقيدة، نظام لا يدع علاقة من علاقات الإنسان إلا وكان له حكم فيها ورأي.

 إن العقيدة الوحيدة في العالم الجديرة بإسعاد الناس جميعاً بنظامها المنبثق منها، لا نجدها إلا في الإسلام، حيث أن العقيدة الإسلامية عقيدة عقلية وليست وهمية أو نظرية أو كهنوتية، يتم الإيمان فيها بالله وبالقرآن وبرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عقلاً وليس تسليماً، وقد انبثق من هذه العقيدة أنظمةٌ شاملةٌ لكل علاقات الإنسان، ولم تترك فعلاً من أفعال الإنسان المحمودة أو المذمومة، ولا قولاً، إلا وقد أعطى الإسلام فيه حكما واضحا عدلاً، أحكاما توافق فطرة الإنسان ولا تخالفها، وتقنع عقله ولا تهمله، وتملأ قلبه طمأنينة ولا تقهره، ولذا فإن عقيدة الإسلام ونظامه المنبثق منها يعتقدها الإنسان وهو راض مطمئن وسعيد.  

 من هنا تنطلق سعادة الإنسان، حيث أن هذه العقيدة تحرره من الأفكار العبثية والمتناقضة غير المستندة إلى أصل عقلي سليم، وتبني عقليته ونفسيته بناءً سليماً متماسكا، وتحدد أهدافه من الحياة، وتبين له حقيقة خلقه، وقيمة وجوده في هذه الحياة، والغاية التي يعيش من أجلها، وتملأ قلبه طمأنينة، وتريح نفسه، وتعزز ثقته بنفسه، وتضبط قراراته، ومن هنا تنطلق سعادة الإنسان.

قرار الإيمان بالله وبما جاء في رسالة سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله يتطلب الإيمان بالقرآن وبملائكته وكتبه ورسله، وبالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، وهذا بدوره يرسم للإنسان ما يترتب على هذا الإيمان من أفكار ومفاهيم ونظام للحياة، قد وضعه للإنسان خالقُ الإنسان والأعلم بغرائزه وبحاجاته العضوية، ولا يستند على المصالح والأهواء والاجتهادات الشخصية والنظريات والفرضيات الفلسفية، كالنظام الذي يضعه الإنسان لنفسه أو لغيره من بني الإنسان، وكما في الأنظمة الدنيوية التي تقرر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقضائية.

السعادة من خلال تنظيم علاقة الإنسان بنفسه:

يلتزم كل من انتمى إلى الإسلام، أو أراد أن ينتمي إليه، بأحكام تتعلق بعلاقته بنفسه، فتقرر له الأحكام كيفية ملبسه، ونوع مشربه ومأكله، وصفة مسكنه، وكذا ماهية الأخلاق التي يجب أن يتصف بها، كالبر والأمانة والصدق والإحسان والحلم والصبر والكرم والوفاء والحمد والتضحية والإيثار، وماهية الأخلاق التي يجب أن يتجنبها، كالكذب والخيانة والغش والخداع والنميمة والحسد والبخل، وغير تلك من الصفات الحميدة أو المذمومة.

فكل هذه الأحكام المتعلقة بعلاقة الإنسان بنفسه، إن قام بها جلبت له السعادة من جوانب عدة، أول جانب في ذلك سعادته وهو يتواصل مع الله، ويستشعر وجوده في كل فعل يفعله، وهو يرجو رضاه ومحبته، ويرجو الثواب من عنده في الدنيا والآخرة، والجانب الثاني الذي يجلب للإنسان السعادة هو السرور الذي يصيبه عندما يستشعر الرضا في نفسه والطمأنينة بما يتصف به من خُلق حسن، والجانب الثالث الذي يجلب للإنسان السعادة هو عندما يقوم بأعمال تعود عليه بالخير لجسده وروحه، والسرور الذي يحظى به من خلال الصفات الأخلاقية السامية التي يتبادلها مع غيره من الناس، ومع الطبيعة والبيئة، أما الجانب الرابع الذي يغمر الإنسان سعادة هو شعوره بالراحة والطمأنينة وهو يعلم الكيفية التي عليه أن يعيش ويتعامل بها مع نفسه انطلاقا من إيمانه بالله سبحانه وتعالى.

نعود فنذكر أن السعادة التي تتحقق في الفرد الواحد من خلال الأحكام التي تتصل بعلاقته بنفسه من منطلق ما يعتقده وهو راض مطمئن، تكون ثابتة لا تتغير، لأنها غير مقيدة بالمنافع. وعندما يتصف المجتمع بأكمله وكل أفراده بهذه الصفات ويتبادلونها فيما بينهم، فإن السعادة ستغمر المجتمع بمجموعه، فيكون المجتمع بمجموعه سعيداً، تنعكس فيه السعادة على كل فرد من أفراده.

تحقيق السعادة من خلال علاقة الإنسان بغيره:

أما عن السعادة التي تتحقق من خلال علاقة الإنسان بغيره من بني الإنسان، مع الأفراد الآخرين بصفتهم الفردية، وثانيا بصفتهم الجماعية، فذلك يتحقق من خلال وجود أحكام تنظم علاقاتهم الاجتماعية وعلاقاتهم الاقتصادية وكافة الأعمال، فهناك علاقات الإنسان الاجتماعية مع زوجه، وأفراد أسرته، ومن يتبعهم من الأخوال والأعمام والآباء وأبنائهم وغيرهم من ذوي الرحم والقربى، وهناك علاقات الإنسان الاقتصادية في أعماله، وسعيه في طلب الرزق، ومع قضايا الإنتاج الزراعي والصناعي، والانتاج الحيواني وغيره، ومع طلب العلم ونشره، ومع كافة الأعمال التي تحيط به ومكلف بها.

والسعادة التي تتحقق من خلال وجود أحكام تنظم علاقات الإنسان مع المجتمع بصفته المجتمعية، بالأمر فيه بالمعروف والنهي فيه عن المنكر، وإنكار المنكر، والحفاظ فيه على قوام المجتمع، بقول الحق، والمساهمة في نشر الخير في المجتمع ومنع الشر، ومحاسبة المكلفين برعاية شؤون المجتمع من اصحاب المناصب وغيرهم، والسعادة التي تتحقق من خلال وجود أحكام تنظم علاقات الإنسان مع الأمة التي ينتمي إليها، ومن خلال الأحكام التي تقرر علاقات الإنسان مع الدولة القائمة عليه ببيعة خليفتها على أمر الله وحكمه وطاعته، وعدم الخروج عليه ومحاسبته على ما تمت البيعة عليه.

كل هذه العلاقات من علاقة الإنسان بغيره من بني الإنسان على المستوى الفردي والجماعي، يتطلب وجود دولة إسلامية، تفرض الأحكام التي تتعلق بكل تلك المسائل التي ترعى شؤون الناس، فتنشر الخير بين الناس وتعطي الحقوق، وتمنع الظلم من خلال أحكام الإسلام الاقتصادية والاجتماعية والقضائية وأنظمة الدولة الأخرى الرعوية.

من خلال أنظمة الدولة الإسلامية التي بينها الله للناس، تتم رعاية شؤون الناس بالعدل والخير، فتحارب الفقر والجوع والمرض، وتنظم علاقات الناس وعقودهم، وتنشر الخير بينهم، وتنهض بالأمة صناعياً وزراعياً، وتجارياً وعسكرياً وأمنيا، فتحصل السعادة لكافة المجتمع بمجموعه، وليس لفئة دون فئة، ولأفراد دون آخرين، وتعطي الفرصة وتفتح المجال للأعمال الخيرية لكل من يسعى للخير بين الناس.

هكذا تُصنع السعادة من خلال النظام والدولة القائمة عليه وعلى تطبيقه، ولا تقوم السعادة على دولة تدعي الكذب والحرية، وتدعي العدل والإنصاف، وهي تجعل للبنوك ولأصحاب رؤوس الأموال والمجرمين السيادة والسلطان على الناس، وتفعل كما يحلو لها، وتضر بالناس وبمعايشهم، فتشقيهم ولا تسعدهم.

تحقيق السعادة من خلال علاقة الإنسان بخالقه:

الإيمان بالله سبحانه وتعالى، بصفته الخالق للإنسان والحياة والكون، لا يحتاج تكلفاً ولا تشنجاً من النفس البشرية، فهو يسير مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، أي أن الشعور بوجود الله الخالق إنما هو فطرة وغريزة في قلب الإنسان، يأنس لها ويأنس لهذا الشعور وترتاح لها نفسه وللتعامل من خلاله، فإذا ما أراد الإنسان أن يسير مع هذا الشعور بعقله وفكره، يجد أن حقيقة وجود الله وخلق السموات والأرض تسير سيرا طبيعياً غير متكلف مع شعوره، حتى يصبح قناعة تطمئن لها نفسه وقلبه ويحب أن يعيش بها.

من هنا تنطلق العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، بالإيمان به والطمأنينة لوجوده، ولسيادته وحكمه، والطمأنينة والسعادة بعبادته والصلاة له، وعمل الصالحات من أجله وفي سبيله.

وبصفة أن الإسلام وصلتنا رسالته من طرق يقينية، وليست ظنية، وبروايات متواترة قطعية غير فردية، فقد اطمأنت أنفس المسلمين لهذا النقل، وجاءت الأحكام غير متناقضة، وبينت كيفية العلاقة بين العبد وخالقه، كما بينت العلاقة بين الخالق وعبده.

شمولية نظام الإسلام للعلاقات التي ذكرنا جميعها، بلا نقص ولا خلل، جعلت الإنسان المسلم يعيش حياة سعيدة ليس لها مثيل في الأرض، وأصبحت الأمة الإسلامية كتلة واحدة ذات فكر موحد، ولذا تجد المسلم الذي يعيش في أقصى الشرق هو المسلم الذي يعيش في أقصى الغرب بإيمانه وأخلاقه وقوام علاقاته، ونجد الحب الذي يحملانه لبعضهما هو الحب ذاته الذي يحمله المسلم في أقصى الشمال والمسلم الذي في أقصى الجنوب، والسعادة التي يجدونها من خلال نظام الإسلام وحماية حقوقهم وأعراضهم وأموالهم وأنفسهم سعادة ليس لها مثيل على وجه الأرض.

من هذا المنطلق يتبين لنا كيفية تحقيق السعادة عند الإنسان وعند كل البشر، ناهيك عن ثمرات هذه السعادة من أعمال وأفعال خير، وعدل ورحمة بين الناس أجمعين، تثمرها هذه العلاقات.

فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ

2,134 عدد المشاهدات