الجيل المحظوظ

بقلم الإعلامى

مهندس محمود صقر

02/04/2019
الجيل الذي استنشق عبير الحِبر على أوراق رسائل الغرام والاطمئنان علي الأقارب والأحباب، ويكتب علي المظروف “شكرا لساعي البريد”.
ثم أدرك الهاتف في دوار العمدة إن كان من الريف، أو في شقة أو اثنتين من شقق الجيران في المدن.
الجيل الذي كان يقف في الأعياد والمناسبات في طابور السنترال ينتظر دوره في خلو الكابينة ليحظى بدقائق إن أسعفته جودة الخطوط الهاتفية ليبلغ سلامه وأشواقه للأحبة، ثم يخرج منها بين مبتسم بعد الاطمئنان على الأهل والأحباب، أو كاسف البال من لوعة الفراق.
ثم دار به الزمن وأصابته الدهشة وهو يرى جهازا اسمه “الفاكس” يضع فيه الرسالة الورقية، ثم يدق على أرقام في لوحة الأرقام، فتخرج من جهاز آخر في مكان آخر في نفس اللحظة، ثم أدرك “البريد الإليكتروني”، ثم ضم العالم كله بين يديه، وطوى المسافات بين أقطار الأرض من خلال جهاز بين يديه يسمونه “الهاتف الذكي”!
محظوظ ذلك الجيل الذي انطلق في الشوارع والحارات يمارس مع الأحباب والأصدقاء الألعاب الجماعية، ويجتمع معهم في المساء في جلسات السمر، قبل أن يرى أبناءه في عزلة طوعية بين أربعة جدران يمارسون الألعاب الاليكترونية.
محظوظ ذلك الجيل الذي تعرف على أخبار العالم وفنونه من خلال “المذياع”، واتسع خياله خلف الدراما وبرامج الأطفال، وتعلقت آذانه بسماع أذان الشيخ رفعت قبل الإفطار، ثم أدرك ذلك الاختراع العجيب الذي يسمونه “تليفزيون” الذي حول الخيال المسموع إلي صورة مرئية، واجتمع مع الجيران في أول بيت يدخله التليفزيون ليتشاركوا الدهشة والمتعة.
محظوظ ذلك الجيل الذي شرب الماء البارد من ذلك الوعاء الفخاري المزركش والممتد في عمق التاريخ امتداد الطين في الأرض، والمسمى “القُلَّة”، ثم أدرك جهازا كهربائيا يسمونه “الثلاجة”، بدأت في بيت واحد من الجيران، يلتفون حوله قبيل الإفطار في رمضان ليأخذوا حصتهم من الثلج في حر الصيف.
محظوظ أنا ابن هذا الجيل، الذي كانت والدتي كثيرا ما تُغْلِق باب شقتنا وتنسى المفتاح بالداخل، ثم تقول لي: لا تقلق؛ فمفتاح جارتنا “أم مشمش” وجارتنا “أم سعيد” نفس مفتاح بيتنا.
يا ابني: البيت كله أسرة واحدة.

15,485 عدد المشاهدات