اليمين المتطرف والبشرة البيضاء الملوثة أيديهم بالدماء والذي يقود العالم إلى الدمار الشامل

بقلم الخبير السياسى والمحلل الإقتصادى

رئيس منظمة “إعلاميون حول العالم” فرع جنيف- سويسرا
رئيس اتحاد الشعب المصرى
“عضو مؤسس في المجلس الثوري المصري”

أن كلمة “اليسار” ظهرت كمصطلح سياسي عندما استعملت أول مرة في أحد برلمانات أوربا، إشارة إلى النواب الذين كانوا يجلسون على يسار الرئيس، بينما سمي الذين كانوا على يمينه بـ “اليمين”. وكان من المصادفة أن الذين كانوا يجلسون على يساره كانوا يمثلون بصورة عامة الطبقة العاملة والقوى الكادحة على العموم، في حين كان الذين يجلسون على يمينه يمثلون قوة الرأسمال والأغنياء وأصحاب الأموال على العموم أيضا. من هنا إذن بدأ مصطلح “اليسار” يأخذ مضمونا أو بعدا إيديولوجيا، فصارت إيديولوجيا اليسار تعبر بصورة أو بأخرى عن هذه الواقعة الاجتماعية. وعندما انتشرت الماركسية بين صفوف المثقفين وصفوف العمال، وكان هذا في أوربا بطبيعة الحال، ارتبط اليسار نوعا ما من الارتباط بالفلسفة الماركسية نفسها. وبما أن رجال الكنيسة عموما كانوا مع القوى القديمة أي مع القوى المالكة لزمام الأمور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أي مع اليمين، فلقد صنفت الكنيسة وبالتالي الدين بالمفهوم الأوربي مع اليمين وربط به، بينما اعتبر اليسار ممثلا لتلك الطبقة الكادحة وعلى العموم للفئات الاجتماعية المتحررة نوعا ما من الهواجس الدينية.

هكذا إذن، أصبح مفهوم يسار/يمين ذا بعدين، بعد اقتصادي يتحدد أساسا بالعلاقة مع وسائل الإنتاج (بملكيتها: اليمين، أو عدم ملكيتها: اليسار)، وبعد إيديولوجي يتحدد أساسا بنوع النظرة الميتافيزيقية للكون، النظرة الدينية (اليمين)، والنظرة المادية الموسومة بالعمالية (اليسار). وبالارتباط مع هذين البعدين، ومع البعد الإيديولوجي بصفة خاصة، ظهر مرادفان، أو رديفان، لمصطلح يسار/يمين هو مصطلح تقدمي/رجعي، فأصبحت التقدمية سمة لليسار والرجعية سمة لليمين. وحيثما يكون البعد الاقتصادي في التصنيف ضعيفا أو منعدما كان البعد الإيديولوجي يقوم مقامه، وهكذا غدا التقدمي هو المتحرر دينيا، والرجعي هو المتمسك بالدين. فصار التقدمي بهذا المعنى يساريا حتى ولو لم يكن من صفوف الكادحين، وصار الرجعي بهذا المعنى أيضا يمينيا، حتى ولو لم يكن من صفوف الأغنياء.

وتعزز هذا التمييز المزدوج مع قيام الاتحاد السوفيتي وتزعمه للمعسكر الاشتراكي على الصعيد الدولي أي للطبقة العاملة كطبقة واحدة عبر العالم: “أيها العمال في جميع أنحاء العالم اتحدوا”. فأصبح اليسار –أو مصطلح اليسار- يتحدد إضافة إلى ما سبق بالارتباط مع الاتحاد السوفيتي، واليمين يتحدد بالارتباط مع الغرب الرأسمالي. هكذا أضيف بعد ثالث هو البعد الدولي إلى مضمون يسار/يمين.

برز مصطلح اليمين المتطرف وأصبح أكثر الكلمات تردداً في نشرات الأخبار والبرامج حول العالم في أعقاب مجزرة المسجدين في نيوزيلندا التي ارتكبها أسترالي يعتنق ذلك الفكر، فماذا يعني اليمين المتطرف؟ ومتى ظهر المصطلح ومَن أبرز رموزه؟ وهل هو حركة سياسية أم جماعة؟ وما هو مقره أو مقراته؟ هذه المادة تجيب على هذه الأسئلة وغيرها مما يدور في الأذهان حول اليمين المتطرف.

Anadolu Ajansı grafikleri

ماذا يعني مصطلح اليمين المتطرف؟

غالباً ما يتم وصف اليمين المتطرف على أنه حركة أو أيديولوجية، لكن التفسير الأقرب هو «كتلة سياسية» تسعى لتوحيد أنشطة حركات أو أيديولوجيات متطرفة ومختلفة، ومصطلح اليمين المتطرف يشير في غالبيته العظمى إلى القوميين من الجنس الأبيض الذين يؤمنون بتفوقه على غيره من الأجناس.

هل اليمين المتطرف جماعة محددة يتشارك المنتمون لها في المعتنقات والأهداف؟

ليس صحيحاً، فالمصطلح عبارة عن مظلة يتجمع تحتها مجموعات متنوعة من الناس بعضهم ينخرط في أنشطة على الإنترنت تنشر نكاتاً وخطاباً يحض على الكراهية وينفث عن الغضب، بعضها الآخر شخصيات إعلامية وشخصيات مؤثرة يروجون لوجهات نظر عنصرية ومضادة للمرأة ومعادية لتعدد الثقافات. أما المعتقد الذي يشتركون فيه فهو العودة لزمن مضى لم يكن فيه تنوع وكانت ثقافة الرجل الأبيض وقوته وسيطرته هي الواقع التي لا يشكك فيه أحد.

متى ظهر مصطلح اليمين المتطرف؟ ومَن أطلقه؟

ظهر المصطلح حديثاً وكان أول مَن صاغه واستخدمه هو الأمريكي ريتشارد سبنسر المولود عام 1978 والذي يعد من أبرز رموز هذا الفكر المتطرف والمتعصب لتفوق الجنس الأبيض الذي ينتمي إليه، ويستخدم سبنسر مصطلح اليمين المتطرف للإشارة إلى «هوية الجنس الأبيض وتفوقه».

مَن هم أبرز المؤثرين المعروفين من اليمين المتطرف؟

ريتشارد سبنسر: أمريكي الجنسية هو أول مَن استخدم مصطلح اليمين المتطرف ليعبر عن تفوق الجنس الأبيض وهو رئيس معهد السياسة القومية، ويدعو إلى «التخلص السلمي» من كل الأعراق غير البيضاء في أمريكا، وإلى توحيد أوروبا كوطن للبيض فقط، يشبه نفسه بأدولف هتلر وتم تصويره أكثر من مرة وهو يستخدم التحية النازية ويلقي عبارات استعملها الزعيم النازي.

مايلو يانوبولوس: (مايلو أندرياس واجنر) بريطاني الجنسية من مواليد 1984 يعمل كاتباً ومحللاً سياسياً، وكان رئيساً لتحرير موقع برايبارت نيوز الأمريكي وهو موقع يميني تأسس عام 2007، وكان هذا الموقع سبب شهرته على نطاق واسع ليصبح من أبرز المؤثرين في الفكر اليميني المتطرف، معروف بآرائه المعادية للإسلام وللمرأة وللعدالة الاجتماعية. هو أيضاً ينادي بسيطرة الجنس الأبيض وتفوقه.

أندرو أنجلين: أميركي من مواليد 1984 مؤسس موقع ذا ديلي ستورمر اليميني المتطرف، يؤمن بتفوق الجنس الأبيض ويعتبر هتلر مثلا أعلى.

ما هي الفئة العمرية الأكثر اعتناقاً للفكر اليميني المتطرف؟

الجيل الأصغر أو الشباب هم الهدف الرئيسي للتيار من حيث التجنيد، فاليمين المتطرف يوجه خطابه مباشرة إليهم من خلال المنتديات والتيمات والفيديوهات عبر الإنترنت في حوار مباشر، على عكس قادة اليمين المتطرف في الماضي. فهؤلاء الشباب الذين يشعرون بالغضب والإحباط يمكنهم بسهولة التواصل من خلال هواتفهم مع مؤثرين من اليمين المتطرف ليسوا فقط شباباً مثلهم، ولكنهم أيضا عباقرة في التكنولوجيا ويفهمون ما يريده المراهقون.

أين يقع المقر الرئيسي لليمين المتطرف إن صحَّ التعبير؟

رغم انتشار اليمين المتطرف حول العالم، فإن مركز الثقل الخاص به هو الولايات المتحدة الأمريكية.

وبحسب موقع ذي أتلانتيك، فإن الولايات المتحدة غارقة في موجة من التطرف آتية من قمة الهرم من خلال السموم اللفظية التي يلقي بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يومياً من فوق أكبر منصة إعلامية في العالم وهي الرئاسة الأمريكية، وقد فتح استدعاء ترامب المستمر للعنف وشيطنته لمعارضيه السياسيين بوابات اندفع منها طوفان الكراهية بين مجتمعات يستعر فيها الغضب منذ فترات طويلة.

هل يمكنك التعرف على يميني متطرف من خلال هيئته الخارجية؟

كلا، فعندما قام منتسبو حركة المتفوقين البيض باستخدام مصطلح اليمين المتطرف لاحظوا أنهم بحاجة أيضاً إلى تغيير «البراند» أو العلامة المميزة لهم من حيث الشكل، لذلك لم تعد الرؤوس الحليقة على الطريقة النازية مناسبة لتنفيذ أجندتهم المرغوب فيها، لذلك فقادتهم وتابعوهم يرتدون ملابس مثل باقي المجتمع وليست لهم هيئة محددة حتى يصبحوا أكثر قبولاً في الإعلام،بحسب موقع مجلة توليرانس.

ما وجه الشبه بين اليمين المتطرف والأحزاب اليمينية؟

الشبه أو الصلة بين الأمرين شكلية فقط وهي خادعة بشكل مقصود من جانب قادة اليمين المتطرف ومؤثريه، فهذه الحركة ما هي إلا إعادة تسويق لفكر الكراهية وتفوق الجنس الأبيض في الولايات المتحدة الأمريكية بنية نشره قدر المستطاع حول العالم. أما الأحزاب اليمينية فهي أحزاب سياسية تحمل أفكاراً رأسمالية وأجندتها السياسية تقليدية في مقابل الأحزاب اليسارية ذات التوجهات الاقتصادية الاشتراكية والأجندة السياسية المتحررة.

أسطورة التفوق الأبيض الملوثة بالدماء

أصبحت الشبكات الاجتماعية الآن المكان الذي تُزرع فيه بذور التطرف وتُروى. ويُمكن لذوي المعتقدات البغيضة والعنيفة أن يلتقوا ويغذّوا أفكارهم.

 المتهم هو الأسترالي برينتون هاريسون تارانت، الذي سبق له الإشادة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب،وقال عن ترمب انه “رمز تجديد الهُوية البيضاء والهدف المشترك”.

«أنا رجل أبيض أبلغ من العمر 28 عاماً.

أنا من مواليد أستراليا لعائلة من الطبقة العاملة ذات دخل منخفض.

أنا رجل عادي قررت أن أتخذ موقفاً لضمان مستقبل شعبي».

هكذا كتب السفاح قبل دخوله إلى أحد المساجد بمدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا، ليرتكب إحدى أكثر جرائم القتل الجماعي دمويةً في تاريخ البلاد. توقف المسلح المتهم بارتكاب الهجوم الإرهابي ليعلن تأييده لأحد نجوم يوتيوب في مقطع فيديو بدا أنه يوثق حادث إطلاق النار.

كل مَن شاهد المقطع الذي بثه المتهم حياً على الإنترنت أدرك أنه شيء مختلف تماماً، نحن أمام “ميم إنترنت”.

مشوار طويل من التعصب والدم، بدأت شرارته في حرائق الحرب الأهلية الأمريكية، ويشتعل الآن في ساحات الإنترنت، شعاره: لا مكان على الكوكب للآخر الذي يختلف عني؛ لأني أنا الأفضل.

أنا الوحيد الجدير بالحياة.

أنا المتفوق السوبر، وليذهب الباقون إلى الجحيم.

في التاريخ

أحييكم من منصة الدم الخالدة: الإنترنت

قبل الجريمة، وفي بيان من 74 صفحة تحدث السفاح عن شخصيات محددة معروفة على الإنترنت وأثرت على آرائه، وألقت في روعه أن يرتكب الهجوم الإرهابي على مسجدين في مدينة كرايست تشيرش، حيث قُتِل 49 شخصاً على الأقل.

المثير للدهشة هو كيف كان خطاب العنف منتشراً وواضحاً للغاية على الإنترنت، وكيف كان المشتبه به يبدو على دراية بنظرة الثقافات الفرعية المتميزة على الإنترنت إلى فعلته وكيفية تفسيرها بعد ارتكابه لها.

المتهم أعلن عن فعلته على تويتر وعبر موقع 8chan، وهو منصة للرسائل على الإنترنت، وبث الهجوم مباشرةً على فيسبوك.

ففي منشوره على موقع 8chan، أشار المتهم إلى الهجوم بأنه “محاولة بذل جهد حقيقي في الحياة”. ووضع لإحدى الصور عنوان “فلتذهب آراؤكم إلى الجحيم”، في إشارة إلى عبارة نشرها المتهم بتنفيذ هجوم على كنيس يهودي في مدينة بيتسبرغ الأمريكية، والتي أصبحت فيما بعد نوعاً من الشعار بين النازيين الجُدد.

ويبدو أن بيانه، وهو مزيج من شعارات القومية البيضاء والعبارات الفاشية والإشارات إلى نكات الإنترنت الغامضة، قد كُتِب بطريقة معقدة للغاية.

حتى اللغة التي استخدمها المشتبه به لوصف هجومه قبل تنفيذه وضعته في إطار النشاط السياسي على الإنترنت.

وطن آمن للمتطرفين والقتلة اسمه الخوارزمية

العنف المناهض للمسلمين ليس ظاهرة مولودة مع الشبكات الاجتماعية، وكراهية القوميين البيض تسبق ظهور منصات مثل: “فور تشان” و “ريديت” بوقت طويلٍ.

تسبق الإنترنت نفسه بعقود طويلة، قرون من الكراهية وإنكار الآخر والسعي لمحوه من الوجود.

لكننا نعرف أن تصميم منصات الشبكات الاجتماعية يمكنه أن يخلق ويعزز المعتقدات المتطرفة. إذ غالباً ما تعمل خوارزميات المحتوى الذي يظهر للمستخدمين على توجيههم نحو محتوى أكثر تطرفاً، وهي حلقة تؤدي إلى قضاء المزيد من الوقت على التطبيق، وتحقيق المزيد من إيرادات الإعلانات للشركة.

وتُطبق السياسات المتعلقة بخطاب الكراهية الخاصة بتلك الشركات بشكل ضعيف، كما أن إجراءاتها لحذف المقاطع المصورة، مثل تلك التي جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال ساعات بعد حادث إطلاق النار في كرايست تشيرش، رغم محاولات الشركة لحذفها، تكون متناقضة في أحسن أحوالها.

قال ماثيو فيلدمان، مدير Center for Analysis of the Radical Right، وهي مجموعة بحثية مقرها بريطانيا، إنَّ وجود مواقع التواصل الاجتماعي في كل مكان، وإمكانية الدخول إلى مواقع مثل 4chan و8chan التي يجتمع أتباع اليمين المتطرف فيها على الإنترنت، سمح لتارنت بالانغماس بسهولة في المحادثات المتطرفة.

أضاف فيلدمان: “احتمال وجود الأشخاص الذين يقرؤون هذه الأشياء في نيوزيلندا أو النرويج أو كندا هو درجة الاحتمال نفسها لوجودهم في أمريكا. فالإنترنت لا حدود له، لكنَّ مواقع مثل 4chan أُنشئت من أجل المتطرفين اليمينيين. فهناك يمكنك إخفاء هُويتك إن كنت ترغب في ذلك، ولن تُحذَف المنشورات التحريضية فور نشرها”.

وهنا مدرسة التطرف بكل ألوانه

كان السفاح في بيانه السابق للمجزرة متأثراً بصورة خاصة بأفكار ووسائل أندريس بريفيك، الإرهابي اليميني المتطرف النرويجي الذي قتل 77 شخصاً عام 2011، والذي مثَّل بيانه الخاص غير المترابط الذي جاء في 1518 صفحة مصدر إلهامٍ للعديد من المتطرفين الذين قلَّدوه، بما في ذلك –بحسب السلطات- كريستوفر هاسون، وهو ملازم في خفر السواحل الأمريكي يواجه اتهاماتٍ فيدرالية بالتخطيط لهجومٍ إرهابي محليّ على غِرار هجوم بريفيك.

في الحقيقة، كان البيان عبارة عن قائمةً تعريفية بالقَتَلة المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض. وكانت مصادر إلهام الكاتب هي ديلان روف، المؤمن بتفوق البِيض الذي قتل 9 أمريكيين من أصلٍ إفريقي داخل كنيسة بولاية ساوث كارولينا عام 2015، بالإضافة إلى لوكا ترايني، وأنتون لوندين بيترسون، ودارين أوزبورن، وجميعهم نفَّذوا هجمات عنصرية بأوروبا في السنوات الأخيرة.

جرائم مشابهة تحمل بصمة الشبكات الاجتماعية

كان روبرت باورز، المتهم بقتل 11 شخصاً وإصابة 6 آخرين في كنيس “شجرة الحياة” بمدينة بيتسبرغ الأمريكية، مستخدماً دائماً لموقع غاب، وهي منصة تواصل اجتماعي تنال إعجاب المتطرفين.

سيزار سايوك، المتهم بإرسال متفجرات إلى أبرز منتقدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي، كان ينشر بكثرة ميمات الإنترنت التابعة لليمين المتطرف على فيسبوك وتويتر.

واعتاد الناس الاعتقاد بأن التطرف على الإنترنت بعيد كل البعد عن التطرف الذي يحدث في العالم الفعلي، إذ يرون أن العنصرية والتعصب على منصات الرسائل عبر الإنترنت أقل خطورة من مسيرات كو كلوكس كلان أو النازيين الجدد (حليقي الرؤوس).

والآن، أصبح التطرف على الإنترنت هو مجرد تطرف يتغذى على المنشطات بانتظام. لا يوجد شيء خارج الإنترنت معادل لتجربة أن تدفعك الخوارزميات تجاه نسخة أكثر تشدداً من معتقداتك الحالية، أو يد خفية توجهك من مقاطع ألعاب الفيديو إلى مقاطع تروج للنازية الجديدة.

أصبح الإنترنت الآن هو المكان الذي تزرع فيه بذور التطرف وتروى، وحيث ترشد دوافع المنصات الاجتماعية منتجي المحتوى إلى الأيديولوجيات المتطرفة، وحيث يمكن للأشخاص ذوي المعتقدات البغيضة والعنيفة إيجاد وتغذية بعضهم.

ولذا يستمر هذا التطرف.

يصبح الناس أكثر طلاقة في ثقافة التطرف على الإنترنت.

ويصنعون الميمات المتطرفة وينشرونها.

وينعقدون حول بعضهم وتتحجر آراؤهم، وأحياناً يثور أحدهم، فتقع  الكارثة.

ومن يثور يرتكب جريمته لينشرها على الشبكات الاجتماعية

ثبَّت كاميرا على خوذة.

شحن سيارته بالأسلحة.

قادها إلى مسجد في مدينة كرايست تشيرش بنيوزيلندا، وبدأ بإطلاق النار على كل مَن يقع في مجال رؤيته.

الأخطر من كل هذا أنه كان يبث على الهواء هذا الإرهاب الجماعي ليشاهده العالم على الشبكات الاجتماعية.

ومع أنَّ منصاتٍ مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب سارعت بإزالة الفيديو والبيان الذي صاحبه، والذي ألفه المسلح على ما يبدو، فإنَّها لم تكن على قدر سرعة مستخدميها؛ ذلك أنَّ أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي صُممت لتنظيف مثل هذه المنصات من المحتوى الإرهابي لم تهزم الدهاء البشري ودوافع الفضول. وكذا ففي غضون دقائق، حُمِّلَ الفيديو ونُشر على منصاتٍ إضافية، وتردَّدت أصداؤه في جميع أنحاء العالم. وأُخذت لقطات للشاشة من لقطاتٍ ثابتة للأجساد، وحُمِّلَت على مواقع مثل وتويتر، حيث جرت مشاركتها وإعادة مشاركتها.

أراد القاتل أن يحوز اهتمام العالم، وكان قادراً على الحصول على هذا الاهتمام من خلال ارتكاب عملٍ إرهابي جماعي.

ومع ذلك، فإن إطلاق النار في كرايست تشيرش مختلف، ويُعزى ذلك جزئياً إلى معرفة الجاني الظاهرة بأكثر أركان الشبكات الاجتماعية ظلاماً؛ إذ يحتوي التسجيل على إشاراتٍ عديدة لثقافة الشبكات الاجتماعية والميمات، بما في ذلك إشارة مطلق النار إلى اسم شخصية مشهورة على الإنترنت قبل وقتٍ قصير من بدء الهجوم.

وعلى قدر رعب العنف نفسه، فإن من المرعب بالقدر ذاته كيف عمل مجتمع الشبكات الاجتماعية لصالح المسلح. وربما يكون هذا واقعنا الجديد، فالأمر لا يقتصر على انتشار الكراهية التآمرية من الإنترنت إلى الحياة الواقعية، وإنما جرى استخدامها كسلاح أيضاً لكي تنتشر على الإنترنت.

كان سفاح نيوزيلندا على دراية واسعة بثقافة الإنترنت اليميني المتطرف. وفي الدقائق المروعة من الفيديو التي تلت ذلك، أثبت أنَّه قاتل غير مبالٍ وغير نادم.

وكتب أنَّ أحد أهداف عملية القتل هذه هو “تحريض الأعداء السياسيين لشعبي على التحرك، وجعلهم ينخرطون في أعمال، ويختبرون ردود الفعل العنيفة والحتمية التي لا مفرَّ منها ضدَّهم نتيجةً لذلك”. وقال إنَّه يريد “التحريض على العنف، والانتقام، ومزيداً من الانقسام”.

ويُظهر البيان، والفيديو المروّع، وما يبدو أنَّها منشورات للرجل المُسلح على مواقع التواصل الاجتماعي، خطابَ رجل قومي أبيض نموذجي، بالإضافة إلى طبقات مُتراكمة من النكات الساخرة والتهكم، مما يجعل من الصعب تحليل ما هو حقيقي، وما يعتقد مؤلف البيان أنَّه مضحك.

ويبدو أن الرجل المسلح لديه اهتمام كبير بالتاريخ، على الأقل، بالأجزاء التي يمكن جعلها جزءاً من قصة قومية بيضاء. وكتب على أسلحته أسماء قادة عسكريين كانوا موجودين منذ قرون، وقادوا معارك ضد قوات كان أكثرهم من غير البيض، إلى جانب أسماء الرجال الذين نفذوا مؤخراً عمليات إطلاق النار الجماعي، مستهدفين يهوداً ومسلمين.

ويشير البيان، الذي يفيض بالمشاعر المُعادية للمسلمين، إلى غير البيض بـ “الغزاة” الذين يُهددون “باستبدال” البيض.

ونُشر رابط الفيديو المُباشر لأول مرة على منتدى /pol/ على موقع 8chan، وهو منتدى يميني مُتطرف سيئ السمعة، حيث جرى الاحتفاء بالرجل المُسلح باعتباره بطلاً بعد إطلاق النار.

كانت بعض مراجعه منتقاة بدقة، بينما كان يقود سيارته إلى المسجد استمع إلى أغنية مُرتبطة بمقطع فيديو وطني صربي في عام 1995، جرى تصنيفه مؤخراً على أنَّه ميم” عنصري.

ما قد يبدو وكأنه جزء غريب وثرثرة غير مرتبطة بالبيان، كان في الواقع “ميماً” قديماً نسبياً يُعرف باسم “Navy Seal Copypasta“، وهو صخب مُزيف يُنسخ ويُلصق للإشارة إلى صلابة مزيفة.

على موقع “8chan”، رفع صورة بعنوان “Screw Your Optics”، وهي عبارة يُقال إن روبرت باورز، الرجل المُتهم بإطلاق النار وقتل 11 شخصاً في معبد يهودي في بيتسبرغ بولاية بنسيلفانيا الأمريكية، في أكتوبر/تشرين الأول، كان قد استخدمها.

العاصمة الرقمية للتطرف الأبيض على الشبكات الاجتماعية

إنه موقع 8chan، وهو مجتمعات لكل منها لوحة خاصة، ويروّج أعضاؤه في كثير من الأحيان للتطرف اليميني. وكان موقع 8chan قد حُذف بالفعل من قوائم بحث جوجل، ثم عاد للعمل عبر خدمة واحدة لاستضافة المواقع على الأقل، بسبب مشكلات تتعلق بمواد إباحية تتضمن أطفالاً. (ويزعم مالك موقع 8chan أنَّ الموقع يحذف «دون تردد» المواد الإباحية للأطفال). وبعد حادث إطلاق النار نَشَرَ بعضُ المستخدمين تعليقاتٍ تتكهن بإغلاق الموقع. وأثارت مجلة Forbes الأمريكية، في وقت لاحق، سؤالاً متعلقاً بإغلاق موقع 8chan بطريقة ما، وفي نيوزيلندا حظر مزودو خدمات الإنترنت الموقعَ بالفعل، ضمن مواقع أخرى.

شهد العامان الماضيان موجةً من إغلاق منصات لمواقع اليمين المتطرف، وسحبت معالجات الدفع، ومسجلو النطاق، وشركات الاستضافة، ومقدمو البنية التحتية الآخرون دعمهم. وقد أدت هذه الممارسة إلى تعثر مواقع التمويل الجماعي مثل Hatreon، وMakeSupport، وتسبَّبت في عطل مؤقت لموقع التواصل الاجتماعي Gab، وجعلت مدونة التفوق العنصري الأبيض  The Daily Stormer دون اتصال بالإنترنت.

ولا يزال لدى الشركات التي ليست شبكات اجتماعية تقليدية أنظمة لحذف المحتوى البغيض. وقد وجَّه أحد مستخدمي موضوعات موقع 8chan القرَّاء لفتح رابطٍ على Dropbox، يشتمل على الفيديو، لكنَّ متحدثاً باسم Dropbox قال إنَّ الموقع يحذف هذه المقاطع فورَ نشرِها، باستخدام نظام حذف مشابه للنظام المستخدم لضبط الأعمال محفوظة الحقوق.

مزاعم التفوق الأبيض تهدد الكوكب

تفوق العرق الأبيض white supremacy فكر عنصري يرى ذوي الأصل الأبيض أسياداً على كل البشر. وأصبحت هذه الأفكار توجهات سياسية تشجع على سيطرة البِيض على النواحي الاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، والصناعية في مجتمعاتهم.

هذه الأفكار كانت شائعة في أمريكا قبل الحرب الأهلية، وكان المواطنون ذوو البشرة الملونة محرومين من الحقوق والمناصب الحكومية إلى النصف الثاني من القرن العشرين.

انتشرت منظمات “سيادة البِيض” أيضاً في جنوب إفريقيا أثناء فترات التفرقة العنصرية حتى عام 1990. وأيضاً انتشرت هذه الحركات في أوروبا لأوقات متفاوتة.

أوروبا القرون الوسطى لم تكن عنصرية ضد الأديان

في حديث لصحيفة Washington Post، أحصى ستورتيفانت 18 إشارةً إلى العصور الوسطى في العلامات والكتابات الموجودة على سلاح برينتون هاريسون تارانت، الأسترالي المتهم بتنفيذ هجوم نيوزيلندا. تشمل تلك الرموز بالطبع تِرس الشمس أو الشمس السوداء، التي ظهرت في الصور التي يُزعَمُ أن تارانت نشرها على الإنترنت قبل الهجوم. ارتبط ذلك الرمز بالرايخ الثالث (ألمانيا النازية) بعد أن قرر هاينريك هيملر، قائد البوليس السري الألماني (الجستابو)، رسمه على إحدى القلاع. لكن المؤرخ نيكولاس غودريك كلارك ربط ذلك الرمز بأسطوانات تزيين الميروفنجيين (عائلةٌ ملكية حكمت أجزاءً كبيرةً من أوروبا أوائل العصور الوسطى) في كتابه “الشمس السوداء: الطوائف الآرية والنازية الباطنية وسياسات الهوية Black Sun: Aryan Cults, Esoteric Nazism, and the Politics of Identity“، الصادر عام 2002.

يقول ستورتيفانت إن الكلمة الأفضل لوصف فهْم الذين يعتقدون بتميُّز البِيض في العصور الوسطى هو “الخرافة”. وأضاف: “يتصوَّر المؤمنون بتميز البِيض خلال العصور الوسطى بأنه زمن ساد فيه البِيض أوروبا وانفصلوا عن جيرانهم، وعاشوا في صراع دائم مع مَن اعتبروهم دُخلاء. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة”.

إذ أكد ستورتيفانت أن المسيحيين والمسلمين واليهود كانوا “يعيشون ويعملون معاً جنباً إلى جنب” في صقلية خلال العصور الوسطى. وخلال القرن السابع الميلادي في إنجلترا، كان أسقف كانتربري مثلاً من تركيا، ورئيس الدير من شمال إفريقيا. وانتشرت السفارات الإثيوبية بجنوب أوروبا، وحتى في روما. وتحدثت سجلات الحج عن مسافرين قادمين من الهند، على الرغم من أن ذلك قد يكون إشارة إلى أي شخصٍ آتٍ من الشرق الأوسط.

كانت هناك عنصرية بالفعل، لكنَّ الأمر كان أكثر غرابة.

كانت العنصرية تنبني على جغرافية المكان أكثر من لون البشرة، وكان الناس عنصريين تجاه الأشخاص الذين يعيشون في مناطق أخرى.

الحديث عن مجتمعات العصور المظلمة كما كانت عبارةً عن نموذجٍ مثالي من البياض النقي فكرةٌ حمقاء، كما يضيف ستورتيفانت، ولربما اعتبرناها فكرةً مضحكةً لو لم تكن بهذا القدر من البشاعة.

عنصرية الجنس الأبيض ضد الأبيض الآخر

لا يكتفي المتطرفون المؤمنون بتفوق العرق الأبيض ضد الملونين بهذا الهوس، فيعتقد بعضهم “أن هناك تمايزاً بين أبناء الجنس الأبيض أنفسهم”.

هناك متعصبون للعرق النوردي، أي شعوب الدول الاسكندنافية (السويد، النرويج.. إلخ)، وشعوب ألمانيا وإنجلترا وهولندا؛ لأنهم هم أفضل وأرقى بكثير من شعوب الدول الأوروبية الجنوبية والشرقية أصحاب البشرة الداكنة قليلاً وذوي الخلفيات الثقافية المختلفة.

كان العداء يشمل: الإسبان والبرتغاليين والإيطاليين والروس وكل مَن ليس أوروبيَّ النشأة. واعتبر هؤلاء العنصريون أنه عندما تتزاوج الأعراق وتتخالط يحدث “الانتحار العِرقي” أو الإبادة الجماعية، كما قال زعيم سابق لجماعة كو كلوكس كلان Ku Klux Klan بعد أن قتل ثلاثة أشخاص داخل مركز يهودي ودار مسنين في كانساس الأمريكية عام 2014.

جماعة اليمين البديل Alternative Right

“اليمين البديل” وفق الموقع الإلكتروني Southern Poverty Law Center هو “مجموعة من المعتقدات اليمينية المتشددة ترى أن الهوية البيضاء تتعرض لهجوم من الأعراق غير البيضاء.

الفارق الأكبر بين “اليمين البديل” وغيره من حركات تفوق العرق الأبيض هو أن هذه الحركة متفوقة في مجال استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

جماعة كو كلوكس كلان Ku Klux Klan

من أقدم وأبرز الجماعات البيضاء المتطرفة في الولايات المتحدة؛ إذ تأسست في 1866، وعمدت هذه الجماعة إلى ملاحقة السود في جنوبي البلاد بالقتل والتخويف، كما استهدفت اليهود والمهاجرين والمثليين والكاثوليك، إذ تؤمن الجماعة بتفوق البروتستانتي الأبيض على كل الأعراق والديانات.

تراجعت الجماعة في السبعينيات وما أعقبها من انتصارات لحركات الحريات الاجتماعية، لكنها تعود الآن على استحياء.

حليقو الرؤوس Skinheads

تشترك جماعات حليقي الرؤوس في الإيمان بتفوق العرق الأبيض، والحفاظ على هذا التفوق بالعنف. وشهد عام 2010 أكثر فتراتها ازدهاراً، إذ بلغ عدد تنظيماتها 139، قبل أن تتراجع عام 2016 إلى 78 تنظيماً.

وتركز هذه الجماعة على تجنيد الشباب، وترتكب الجرائم ضد الأقليات غير البيضاء، لعل أبرزها جريمة معبد السيخ في ويسكونسن عام 2012، ما أدى إلى سقوط 7 قتلى وإصابة آخرين.

أوروبا تستعيد عصور النازية والفاشية

منذ 2008 تخوض أحزاب اليمين المتطرف في دول أوروبية حملات لمكافحة ما تصفه بـ “الأسلمة” في أوروبا.

وفي اجتماعها بمدينة أنفرس البلجيكية أسست هذه الأحزاب منظمة “المدن ضد الأسلمة” للصحفيين، بمشاركة حزب المصلحة الفلامنكية البلجيكي Flemish Alliance N-VA، حزب إف. بي. أو النمساوي Freedom Party، والحزب اليميني الألماني، والحزب الوطني البريطاني، وغيرها.

وتشهد معظم دول أوروبا صعوداً لليمين الشعبوي في السنوات الأخيرة، وتبث أحزابه دعاية معادية للمهاجرين وكل ما لا يدعم الثقافة الأوروبية كما تفسرها. وترعى هذه الأحزاب توجهات تلقى رواجاً لدى الشباب، مثل النازية الجديدة، والفاشية الجديدة، وتحقق بعض الانتصارات الانتخابية المحدودة هنا وهناك.

.. والرعاة الرسميون لهؤلاء “الناس الرائعون للغاية”

أطلق ترامب، الذي أدان الهجوم، مراراً تصريحاتٍ عنصرية، وأصدر قرارات ضد المهاجرين والمسلمين، وتودَّد للقوميين البِيض الذين قال عنهم إنهم يضمون “أناساً رائعين للغاية”.

ووصف ترامب، الجمعة الماضي، عمليات القتل في نيوزيلندا بأنها “أمرٌ مروّع ومخزٍ”. وعند سؤال الصحفيين له عما إن كان يرى القومية البيضاء تهديداً متصاعداً في أنحاء العالم، أجاب ترامب بأنه لا يرى ذلك.

وتجد تلك الأهداف صدًى لها في الخطاب الغاضب للعديد من ساسة التيار التقليدي السائد في أوروبا، بما في ذلك وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.

أدان أوربان فكرة المجتمع متعدد الإثنيات، وقدَّم نفسه مراراً باعتباره مُدافِعاً عن أوروبا المسيحية في وجه مَن ينظر إليهم باعتبارهم الغزاة الإسلاميين، وطبَّق سياساتٍ تُشجِّع الأمهات المجريات على إنجاب المزيد من الأطفال.

وعاد أوربان بعد ساعاتٍ فقط من جريمة نيوزيلندا ليقول: “دون الثقافة المسيحية ما كانت ستوجد حرية في أوروبا. وإن لم ندافع عن ثقافتنا المسيحية سنفقد أوروبا”.

ونقل موقع fanpage الإيطالي عن وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني قوله: «إن التطرف الوحيد الذي يستدعي الانتباه في إيطاليا هو التطرف الإسلامي». كان في نابولي بعد الحادث وحين سئل عما إذا كان هناك سبب للقلق في إيطاليا قال: «إذا كان هناك تطرف، أؤكد عليه، فإن نصف الأفعال المتطرفة تعد إسلامية».

دماء العنصرية على الثوب الأبيض

المذبحتان في مسجدي مدينة كرايست شيرش في نيوزيلندا هما الأحدث في سلسلة ينفذها مهووسون يعتقدون أن الجنس الأبيض مهددٌ بالانقراض. الضحايا من جميع الأديان والأعراق: يهود ومسلمون ومهاجرون ولاجئون وناشطات بالحركات النسائية وسياسيون يساريون.

أما القتلة فهم عناصر مارقة من مجموعة واحدة بيضاء متفوقة، لكنهم

غارقون في الدعاية العنصرية العالمية.

يجيدون نفس الميمات ويتحدثون عن المؤامرات.

وغالباً ما يترك مرتكبُ الهجوم إشارة إلى مجرمٍ سبقه وسفكَ الدماء البريئة وهو يهذي بالشعارات نفسها.

هنا سجلّ هذه الهجمات في أقل من عقد من الزمن:

يوليو/تموز 2011

النرويج: دماء على جزيرة أوتويا وأوسلو

جريح يتلقى العلاج بعد الهجوم (رويترز)

هجوم بقنبلة، أعقبه إطلاق نار استهدف معسكر الشباب الصيفي في الجزيرة لحزب العمال النرويجي، أودى بحياة 77 شخصاً.

القاتل كان أندرس بريفيك، وقال إنه كان يمنع “غزو المسلمين”، ويوقف “الماركسيين الثقافيين” الداعين للتعددية الثقافية.

أكثر من نصف القتلى كانوا مراهقين.

أغسطس/آب 2012

الولايات المتحدة: حرب عنصرية مقدسة ضد البوذية

هجوم بقنبلة، أعقبه إطلاق نار استهدف معسكر الشباب الصيفي في الجزيرة لحزب العمال النرويجي، أودى بحياة 77 شخصاً.

القاتل كان أندرس بريفيك، وقال إنه كان يمنع “غزو المسلمين”، ويوقف “الماركسيين الثقافيين” الداعين للتعددية الثقافية.

أكثر من نصف القتلى كانوا مراهقين.

أغسطس/آب 2012

الولايات المتحدة: حرب عنصرية مقدسة ضد البوذية

معبد السيخ في أوك كريك، ويسكونسن

مقتل ستة من المصلين في حادث إطلاق نار استهدف معبد السيخ في أوك كريك، ويسكونسن، الولايات المتحدة.

كان مطلق النار، “النازي الجديد المحبط”، عازفاً بإحدى فرق الموسيقى التي تروج لتفوق الجنس الأبيض white power bands، وزائراً منتظماً لمواقع العنصرية. تحدث سابقاً مع أحد زملائه في الجيش الأمريكي حول “حرب عنصرية مقدسة قادمة”، وأخبر آخر بأنه “خائن سابق” لمواعدة امرأة لاتينية.

سبتمبر/أيلول 2013

اليونان: طعن المغني المناهض للفاشية

المغني اليوناني بافلوس فيساس

تعرّض مغني الراب بافلوس فيساس للطعن حتى الموت في مدينة بيرايوس غرب أثينا.

وسُجن عضو بارز في حزب الفجر الذهبي الجديد في اليونان بعد اعترافه بالقتل، لكن الحزب نفى علاقته بأفكار القاتل.

بافلوس فيساس (34 عاماً) كان ناشطاً ضد الفاشية، وبعد قتله عقب مقتل المغني بافلوس فيساس، تكتلت أحزاب اليسار والنقابات في اليونان ضد حزب النازيين الجُدد، وارتفعت الشعارات «الحياة لبافلوس.. لتكن نهاية النازيين».

أبريل/نيسان 2014

الولايات المتحدة: رصاص في مركز يهودي

أطلق زعيم سابق لجماعة كو كلوكس كلان Ku Klux Klan النار وقتل ثلاثة أشخاص، أحدهم يبلغ من العمر 14 عاماً فقط.

القاتل كان يعتقد أن اليهود يدمرون الجنس الأبيض، وأن القبول بهذا التنوع يُفضي إلى الإبادة الجماعية. لم يكن أيٌّ من ضحاياه من اليهود، لكنه قال إنه يعتبر اثنين منهم متواطئين مع الشعب اليهودي.

يونيو/حزيران 2015

الولايات المتحدة: استهداف السود في كنيسة

تابوت الضحية سوزي جاكسون أمام الكنيسة (رويترز)

تعرّض 9 أشخاص للقتل خلال دراسة الكتاب المقدس في كنيسة تاريخية سوداء في تشارلستون، ساوث كارولينا.

بين الضحايا التسع أعضاء مسنون في كنيسة الأم إيمانويل AME، وعضو مجلس الشيوخ عن الولاية. وقال مطلق النار، وهو رجل دين أبيض متفوق ذاتياً، إنه يريد بدء حرب عرقية، وإنه كان قلقاً بشأن تزايد وتيرة “الجرائم التي يرتكبها السود ضد العنصر الأبيض”.

أكتوبر/تشرين الأول 2015

السويد: هجوم على مهاجرين بمدرسة ثانوية

استهدف المهاجم مدرسة ثانوية محلية بها نسبة عالية من الطلاب المهاجرين. وقالت الشرطة إنه طعن الطلاب والمدرسين واستهدف ذوي البشرة الداكنة. توفي ثلاثة، منهم أحمد حسن البالغ من العمر 15 عاماً الذي وُلد في الصومال.

يونيو/حزيران 2016

بريطانيا: إطلاق النار على نائبة وطعنها حتى الموت

النائبة البريطانية جو كوكس

كانت جو كوكس مؤيدة لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، تعرّضت للهجوم قبل أسبوع من التصويت على استفتاء الاتحاد الأوروبي عام 2016. صاح الرجل الذي أدين بقتلها، توماس ماير، وهو مفكر أبيض مهووس بالنازيين وجنوب إفريقيا في حقبة التمييز العنصري.

حين قتلها كان يهتف: “هذا لبريطانيا، فلتبقَ بريطانيا حرة، بريطانيا أولاً”.

يناير/كانون الثاني 2017

كندا: جريمة في صلاة العشاء

تعرض 6 أشخاص للقتل داخل مسجد بمدينة كيبيك في كندا أثناء أدائهم صلاة العشاء.

قُتل أحد الضحايا، وهو عز الدين سفيان، خلال محاولته مواجهة المسلح. وأصيب 19 شخصاً أيضاً في إطلاق النار.

القاتل كان معروفاً بآرائه المُعادية للمسلمين واللاجئين والنسوية. وقال في التحقيقات إنه كان مدفوعاً بتغريد جاستين ترودو بأن اللاجئين مرحب بهم في كندا وأن “التنوع قوة”.

مارس/آذار 2017

الولايات المتحدة: مطاردة رجل أسود حتى الموت

تعرّض تيموثي كومان للمطاردة والقتل بالسيف في نيويورك، وذلك من قِبَل قاتل يؤمن بتفوق الجنس الأبيض.

كان تيموثي كومان Caughman، البالغ من العمر 66 عاماً، يعمل في إعادة تدوير العلب والزجاجات، وله حسابات اجتماعية حية مليئة بالصور مع المشاهير مثل أوبرا وينفري.

قال القاتل، وهو من المحاربين القدامى في الجيش الأمريكي، إنه استهدف رجلاً أسود عشوائياً في الشارع بمدينة نيويورك باعتباره “عملية تدريب” لهجوم أكبر، وكجزء من حملة لإقناع “النساء البيض” بعدم الدخول في علاقات عابرة للأعراق.

مايو/أيار 2017

الولايات المتحدة: القتل لمن يدافع عن المسلمين

تعرض رجلان للطعن حتى الموت عندما حاولا منع المهاجم من مضايقة امرأتين مسلمتين. ووقع الحادث على متن قطار قبل ساعات من بدء شهر رمضان.

وتعرض ثلاثة رجال تدخلوا في الأمر للطعن، وفارق اثنان منهم الحياة.

وقالت شرطة بورتلاند في مؤتمر صحفي إنه “وسط الهذيان والإهانات اقترب منه البعض وحاولوا فيما يبدو تعديل سلوكه”. وقال شهود للشرطة إن الشابتين مسلمتان على الأرجح، وإحداهما كانت ترتدي الحجاب.

يونيو/حزيران 2017

بريطانيا: شاحنة تهاجم الخارجين من المسجد

أصيب ما لا يقل عن 10 أشخاص بجروح، بعد أن اقتحمت شاحنة جموع المصلين خارج مسجد في حديقة فينسبري بالمملكة المتحدة.

وخرج القاتل من سيارته وشرع في مهاجمة الجموع قرب المسجد، وأصاب أحدهم بجروح. وتم إلقاء القبض على الرجل، بعد مقتل مواطن بريطاني من أصل بنغالي هو مكرم علي (51 عاماً).

القاتل، دارين أوزبورن، صرخ: “أريد أن أقتل كل المسلمين، لقد فعلت شيئاً ذا قيمة”، وفقاً لشهود عيان.

أغسطس/آب 2017

الولايات المتحدة: متعصب للنازية يقتل ناشطة شابة

لقيت الناشطة هيذر هاير مصرعها وأصيب العشرات بجروح بعد أن دهست سيارة متظاهرين مناهضين للنازية في شارلوتسفيل، فيرجينيا، بالولايات المتحدة.

فبعدما أنهت السلطات تظاهرة بيضاء عنيفة، وتظاهرة أخرى للنازيين الجُدد في شارلوتسفيل، فرجينيا، قاد أحد الرجال الذين تم تصويرهم مع مجموعة من جماعات الترويج للتفوق الأبيض سيارته إلى شارع مزدحم مليء بالمحتجين المعارضين.

كان القاتل مهووساً بهتلر عندما كان مراهقاً، وفقاً لمعلم سابق.

أكتوبر/تشرين الأول 2018

الولايات المتحدة: الكنيسة تنجو من كارثة

قتل أحد المهووسين شخصين من السود في سوبر ماركت بكنتاكي في الولايات المتحدة.

وقال أحد الشهود إنه خلال الهجوم قال مطلق النار المزعوم: “البيض لا يقتلون البيض”. وكان الضحيتان: موريس ستالارد (69 عاماً)، وفيكي لي جونز (67 عاماً) من السود. قبل وقت قصير من إطلاق النار حاول المهاجم الدخول إلى كنيسة قريبة في الغالب سوداء، لكنها كانت مغلقة.

نوفمبر/تشرين الثاني 2018

الولايات المتحدة: مذبحة في معبد “شجرة الحياة”

سقط 11 قتيلاً في إطلاق نار جماعي استهدف كنيس “شجرة الحياة” في بيتسبيرغ، بنسلفانيا.

أثناء دخوله المعبد كان القاتل يصرخ: “الموت لكل اليهود”.

ومنفذ الهجوم مواطن يميني متطرف يُدعى روب باويرز (48 عاماً)، وكان يتهم اليهود على حساباته عبر الشبكات الاجتماعية بمحاولة جلب المسلمين “الأشرار” إلى الولايات المتحدة.

أخيراً وفى النهاية الى أين يأخذنا التطرف الأبيض

برامج استئصال جذور التطرف هي حجر الأساس في استراتيجيات مكافحة الإرهاب في العديد من الدول.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى مكافحة التطرف من خلال تحديد الأفراد الذين أصبحوا في دائرة التطرف والتشدد، أو أولئك المعرضون لخطر أن يصبحوا كذلك، ومن ثم إعادة دمجهم في التيار العام السائد بالاستعانة بالإرشاد النفسي والديني بجانب التدريب المهني.

ويخشى منتقدو هذه السياسة من أن هذه البرامج تُجرِّم المجتمعات المحلية والأسر والأفراد وتُلحق بهم وصمة العار، بالإضافة إلى ذلك، هناك أسئلة حول مَن تتعاون الحكومات معهم للحصول على المعلومات؟ وما إذا كان ينبغي إلزام الموظفين العموميين بالإبلاغ عن المتطرفين المحتملين؟

هناك أيضاً عدد قليل للغاية من الأدلة على نجاح هذه البرامج، إذ فشلت معظمها في تقييم تقدم حالة المشاركين، ونادراً ما يجري دراسة معدلات العودة إلى الإجرام. وفي تقرير صدر عام 2016 حذرت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان البريطاني من أن استراتيجية الحكومة لمكافحة التطرف تستند إلى نظريات غير مُثبتة ومخاطر تزيد من تفاقم الوضع، بحسب المجلة العلمية.

التدخل مبكراً وإشراك المجتمع

يكمن مفتاح مكافحة التطرف في معالجة جذوره الاجتماعية، والتدخل في وقت مبكر قبل أن يصبح أي شخص «فاعلاً مكرَّساً» على استعداد لإفناء حياته في سبيل إحدى القضايا، كما يقول سكوت أتران من مركز حل النزاعات المستعصية التابع لجامعة أكسفورد، والذي يضيف: «حتى ذلك الحين هناك كل الأشياء التي يمكنك القيام بها».

ويؤكد أن أحد أكثر تدابير المواجهة فاعلية هو إشراك المجتمع. فعلى سبيل المثال، كرة القدم في المدارس الثانوية وحركة الكشافة من الوسائل الفعالة في مواجهة السلوك غير الاجتماعي بين أبناء المهاجرين المحرومين من التمتع بحقوقهم في الولايات المتحدة.

الهُوية البيضاء المزعومة فكرة عنصرية تتجاوز كل المشتركات الإنسانية، وتعبر حدود الجغرافيا والدين والتعايش.

الهدف المشترك هو القتل، هو التخلص من كل الملونين والأقليات والمهاجرين وأصحاب الأصول غير البيضاء.

وما زال الكوكب ينزف بالكراهية حتى إشعار آخر.

بعد مذبحة نيوزيلندا.. هل يتراجع اليمين المتطرف حول العالم أم يزداد صعوداً؟

https://arabicpost.shorthandstories.com/new-zealand-shooting-white-supremacy/assets/templates/set-a/placeholders/transparent.png

سلَّطت مذبحة المسجدين بنيوزيلندا الأضواء على مصطلح اليمين المتطرف ومفرداته مثل «تفوق الجنس الأبيض» و «القوميون» و «النازيون الجدد» وغيرها، ورغم الصدمة المروعة من وحشية الجريمة التي ارتكبها بدم بارد شاب أسترالي أبيض ضد مَن سمّاهم «الغزاة»، يُخطئ مَن ينظر إلى ما حدث على أنه حادث فردي منعزل قام به شخص عنصري متعصب لتفوُّق جنسه الأبيض.

في الواقع، الأمر أكثر بشاعة مما يبدو وما ظهر حتى الآن في وسائل الإعلام حول العالم، يمكن ببساطة تسميته بقمة جبل الجليد، فهل يؤدي التنديد العالمي بالمجزرة شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً إلى تراجع ذلك الوحش المخيف المسمى باليمين المتطرف ومحاصرته، أم أن العكس هو الأقرب للحدوث على أرض الواقع؟

نبدأ رحلة الكشف عن مدى عُمق جبل الجليد المسمى باليمين المتطرف من نيوزيلندا نفسها حيث مسرح المذبحة، وحيث تتواصل محاولات فهم ما حدث هناك.

«الإسلام عدو.. والهجرة غزو»

«حكماً على التيمات والإشارات التي كتبها ورسمها مرتكب المجزرة على أسلحته النارية والمنتشرة في الفيديو الذي بثه للجريمة، ورموز «الشمس السوداء» المعلقة على صدره، من الواضح أن مطلق النار كان عضواً في جماعات يمينية وفاشية متطرفة» بحسب مقال نشره «بين إيلي» باحث بارز في شؤون اليمين المتطرف في صحيفة نيوزيلانداهيرالد.

كان النازيون يستخدمون رمز الشمس السوداء أثناء الحرب العالمية السوداء، واليوم يتم استخدامه بشكل عام من جانب أعضاء النازيين الجدد واليمين المتطرف والرمز لا يعني ارتباط الشخص بجماعة نازية معينة بقدر ما يربطه عموماً بذلك الفكر المتطرف.

الإشارات والإيماءات والرموز التي استخدمها السفاح الأسترالي مصممة لإبهار وتحميس جمهوره اليميني المتطرف.

«أعضاء تلك الجمعيات هم شباب ذكور غاضبون لونهم أبيض يشعرون بالخذلان من جانب مجتمعاتهم التي وعدتهم بكل شيء، لكنهم فوجئوا بأزمة مالية كبرى (2008) وهم في بداية مشوارهم العملي، ووجدوا حولهم صعود مفاهيم مثل «المساواة بين المرأة والرجل» و «تعدد الثقافات» فنظروا إليها بعدائية على أساس أنها السبب في معاناتهم.

جماعات قومية عنصرية

هؤلاء الشباب الأبيض الغاضب يتطلع لليمين المتطرف؛ لأنه يقدم لهم رداً على الوضع القائم، ولأنه يقدم لهم الطريق لاستعادة مجتمعات السيطرة والتفوق فيها للجنس الأبيض دون غيره!

تلك الجماعات هي جماعات قومية عرقية تؤمن أن السبيل الوحيد لإيجاد «مجتمعات مسالمة» هو استبدال الدول الحديثة بـ «الدول العرقية» التي تتكون من جماعة عرقية واحدة، ويؤمنون بنظريات مؤامرة (غالباً ما يناقض بعضها بعضاً أصلاً)، يتركز معظمها الآن حول الإسلام الذي ينظرون إليه على أنه عدو الثقافة الغربية البيضاء العرق.

يقدم اليمين المتطرف لهؤلاء تفسيرات سهلة لفشلهم يلقي باللائمة على أعداء أقوياء، ويقنعهم أنهم يمكن أن يكونوا أبطالاً ضمن ثقافة حرب يمكنها أن تندلع في أي يوم الآن.

مكمن الخطورة الأكبر وراء هذه الأفكار المتطرفة هو صعود الأحزاب اليمينية حول العالم في السنوات الأخيرة مقابل تراجع أحزاب الوسط واليسار. فالأحزاب اليمينية تلقي باللائمة في المشاكل الاقتصادية والأمنية على الهجرة بشكل عام، مما يعني تبنّي الأفكار العنصرية نفسها والخطاب العدائي تجاه المهاجرين الذي رأيناه جميعاً في أبشع صوره في مذبحة المسجدين في نيوزيلندا.

ترامب في مرمى النيران

من نيوزيلندا إلى الولايات المتحدة؛ حيث ما يراه الكثيرون على أنه أكبر مثال على صعود اليمين المتطرف وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان من الطبيعي أن يصبح هدفاً للهجوم من جانب كارهي ذلك الخطاب العنصري بعد مجزرة نيوزيلندا.

«الرئيس (ترامب) ليس عنصرياً يؤمن بتفوق الجنس الأبيض. لست متأكداً كم مرة علينا أن نقول ذلك!»، هكذا رد القائم بأعمال كبير موظفي البيت الأبيض «ميك مولفاني» على الهجوم المتزايد على خطاب ترامب «العنصري» في أعقاب مذبحة المسجدين، وذلك في برنامج «فوكس نيوز الأحد».

«دعونا نصف ما حدث في نيوزيلندا الوصف الدقيق: هذا فعل بشع وشرير وقبيح، ولابد أن نعرف السبب وراء انتشار مثل تلك الأفعال حول العالم. لكن هل دونالد ترامب السبب؟ بالقطع لا!»

مولفاني أضاف أيضاً أنه من «الظلم» وصف الشخص الذي ارتكب تلك المذبحة بأنه من أتباع ترامب؛ لأنه أشار للرئيس في البيان الذي نشره.

مذيع البرنامج كريس والاس قال إن ترامب استخدم نفس الخطاب الذي أشعل التوترات، وبث مقاطع لترامب أثناء سعيه للفوز بالرئاسة في 2016 يقول فيها ساكن البيت الأبيض الآن يؤمن بأن «الإسلام يكرهنا»، ثم بث أيضاً تعليقات أخرى قالها ترامب الأسبوع الماضي فقط وصف فيها تدفق الهجرة غير الشرعية بأنها «غزو»!، طبقاً لموقع ذا هيل.

هل المجزرة بداية أم نهاية؟

أفكار مثل «كراهية المسلمين للحضارة الغربية» و «غزو المهاجرين» يرددها السياسيون في الأحزاب اليمينية المتطرفة منذ عقود، لكن تلك الأحزاب لم تكن تحظى بشعبية ولا تلقى قبولاً. أما في السنوات القليلة الماضية، فقد تغير الأمر تماماً وحصلت تلك الأحزاب على نسب تصويت عالية تتزايد باستمرار في الانتخابات في أوروبا وأمريكا وحول العالم، وهو مؤشر واضح على تفاقم العنصرية والاستقطاب.

في هذا الإطار، كتب الباحث المصري طارق حجي تغريدة على حسابه الرسمي على تويتر قال فيها إن «اليمين الأبيض متزايد الانتشار في أمريكا وأوروبا وأستراليا وهو في بداياته وسيتنامى ويصل للحكم في هذه البلدان».

معبد السيخ في أوك كريك، ويسكونسن

معبد السيخ في أوك كريك، ويسكونسن

مقتل ستة من المصلين في حادث إطلاق نار استهدف معبد السيخ في أوك كريك، ويسكونسن، الولايات المتحدة.

كان مطلق النار، “النازي الجديد المحبط”، عازفاً بإحدى فرق الموسيقى التي تروج لتفوق الجنس الأبيض white power bands، وزائراً منتظماً لمواقع العنصرية. تحدث سابقاً مع أحد زملائه في الجيش الأمريكي حول “حرب عنصرية مقدسة قادمة”، وأخبر آخر بأنه “خائن سابق” لمواعدة امرأة لاتينية.

سبتمبر/أيلول 2013

اليونان: طعن المغني المناهض للفاشية

المغني اليوناني بافلوس فيساس

المغني اليوناني بافلوس فيساس

تعرّض مغني الراب بافلوس فيساس للطعن حتى الموت في مدينة بيرايوس غرب أثينا.

وسُجن عضو بارز في حزب الفجر الذهبي الجديد في اليونان بعد اعترافه بالقتل، لكن الحزب نفى علاقته بأفكار القاتل.

بافلوس فيساس (34 عاماً) كان ناشطاً ضد الفاشية، وبعد قتله عقب مقتل المغني بافلوس فيساس، تكتلت أحزاب اليسار والنقابات في اليونان ضد حزب النازيين الجُدد، وارتفعت الشعارات «الحياة لبافلوس.. لتكن نهاية النازيين».

أبريل/نيسان 2014

الولايات المتحدة: رصاص في مركز يهودي

أطلق زعيم سابق لجماعة كو كلوكس كلان Ku Klux Klan النار وقتل ثلاثة أشخاص، أحدهم يبلغ من العمر 14 عاماً فقط.

القاتل كان يعتقد أن اليهود يدمرون الجنس الأبيض، وأن القبول بهذا التنوع يُفضي إلى الإبادة الجماعية. لم يكن أيٌّ من ضحاياه من اليهود، لكنه قال إنه يعتبر اثنين منهم متواطئين مع الشعب اليهودي.

يونيو/حزيران 2015

الولايات المتحدة: استهداف السود في كنيسة

تابوت الضحية سوزي جاكسون أمام الكنيسة (رويترز)

تابوت الضحية سوزي جاكسون أمام الكنيسة (رويترز)

تعرّض 9 أشخاص للقتل خلال دراسة الكتاب المقدس في كنيسة تاريخية سوداء في تشارلستون، ساوث كارولينا.

بين الضحايا التسع أعضاء مسنون في كنيسة الأم إيمانويل AME، وعضو مجلس الشيوخ عن الولاية. وقال مطلق النار، وهو رجل دين أبيض متفوق ذاتياً، إنه يريد بدء حرب عرقية، وإنه كان قلقاً بشأن تزايد وتيرة “الجرائم التي يرتكبها السود ضد العنصر الأبيض”.

أكتوبر/تشرين الأول 2015

السويد: هجوم على مهاجرين بمدرسة ثانوية

استهدف المهاجم مدرسة ثانوية محلية بها نسبة عالية من الطلاب المهاجرين. وقالت الشرطة إنه طعن الطلاب والمدرسين واستهدف ذوي البشرة الداكنة. توفي ثلاثة، منهم أحمد حسن البالغ من العمر 15 عاماً الذي وُلد في الصومال.

يونيو/حزيران 2016

بريطانيا: إطلاق النار على نائبة وطعنها حتى الموت

النائبة البريطانية جو كوكس

النائبة البريطانية جو كوكس

كانت جو كوكس مؤيدة لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، تعرّضت للهجوم قبل أسبوع من التصويت على استفتاء الاتحاد الأوروبي عام 2016. صاح الرجل الذي أدين بقتلها، توماس ماير، وهو مفكر أبيض مهووس بالنازيين وجنوب إفريقيا في حقبة التمييز العنصري.

حين قتلها كان يهتف: “هذا لبريطانيا، فلتبقَ بريطانيا حرة، بريطانيا أولاً”.

يناير/كانون الثاني 2017

كندا: جريمة في صلاة العشاء

تعرض 6 أشخاص للقتل داخل مسجد بمدينة كيبيك في كندا أثناء أدائهم صلاة العشاء.

قُتل أحد الضحايا، وهو عز الدين سفيان، خلال محاولته مواجهة المسلح. وأصيب 19 شخصاً أيضاً في إطلاق النار.

القاتل كان معروفاً بآرائه المُعادية للمسلمين واللاجئين والنسوية. وقال في التحقيقات إنه كان مدفوعاً بتغريد جاستين ترودو بأن اللاجئين مرحب بهم في كندا وأن “التنوع قوة”.

مارس/آذار 2017

الولايات المتحدة: مطاردة رجل أسود حتى الموت

تعرّض تيموثي كومان للمطاردة والقتل بالسيف في نيويورك، وذلك من قِبَل قاتل يؤمن بتفوق الجنس الأبيض.

كان تيموثي كومان Caughman، البالغ من العمر 66 عاماً، يعمل في إعادة تدوير العلب والزجاجات، وله حسابات اجتماعية حية مليئة بالصور مع المشاهير مثل أوبرا وينفري.

قال القاتل، وهو من المحاربين القدامى في الجيش الأمريكي، إنه استهدف رجلاً أسود عشوائياً في الشارع بمدينة نيويورك باعتباره “عملية تدريب” لهجوم أكبر، وكجزء من حملة لإقناع “النساء البيض” بعدم الدخول في علاقات عابرة للأعراق.

مايو/أيار 2017

الولايات المتحدة: القتل لمن يدافع عن المسلمين

تعرض رجلان للطعن حتى الموت عندما حاولا منع المهاجم من مضايقة امرأتين مسلمتين. ووقع الحادث على متن قطار قبل ساعات من بدء شهر رمضان.

وتعرض ثلاثة رجال تدخلوا في الأمر للطعن، وفارق اثنان منهم الحياة.

وقالت شرطة بورتلاند في مؤتمر صحفي إنه “وسط الهذيان والإهانات اقترب منه البعض وحاولوا فيما يبدو تعديل سلوكه”. وقال شهود للشرطة إن الشابتين مسلمتان على الأرجح، وإحداهما كانت ترتدي الحجاب.

يونيو/حزيران 2017

بريطانيا: شاحنة تهاجم الخارجين من المسجد

أصيب ما لا يقل عن 10 أشخاص بجروح، بعد أن اقتحمت شاحنة جموع المصلين خارج مسجد في حديقة فينسبري بالمملكة المتحدة.

وخرج القاتل من سيارته وشرع في مهاجمة الجموع قرب المسجد، وأصاب أحدهم بجروح. وتم إلقاء القبض على الرجل، بعد مقتل مواطن بريطاني من أصل بنغالي هو مكرم علي (51 عاماً).

القاتل، دارين أوزبورن، صرخ: “أريد أن أقتل كل المسلمين، لقد فعلت شيئاً ذا قيمة”، وفقاً لشهود عيان.

أغسطس/آب 2017

الولايات المتحدة: متعصب للنازية يقتل ناشطة شابة

لقيت الناشطة هيذر هاير مصرعها وأصيب العشرات بجروح بعد أن دهست سيارة متظاهرين مناهضين للنازية في شارلوتسفيل، فيرجينيا، بالولايات المتحدة.

فبعدما أنهت السلطات تظاهرة بيضاء عنيفة، وتظاهرة أخرى للنازيين الجُدد في شارلوتسفيل، فرجينيا، قاد أحد الرجال الذين تم تصويرهم مع مجموعة من جماعات الترويج للتفوق الأبيض سيارته إلى شارع مزدحم مليء بالمحتجين المعارضين.

كان القاتل مهووساً بهتلر عندما كان مراهقاً، وفقاً لمعلم سابق.

أكتوبر/تشرين الأول 2018

الولايات المتحدة: الكنيسة تنجو من كارثة

قتل أحد المهووسين شخصين من السود في سوبر ماركت بكنتاكي في الولايات المتحدة.

وقال أحد الشهود إنه خلال الهجوم قال مطلق النار المزعوم: “البيض لا يقتلون البيض”. وكان الضحيتان: موريس ستالارد (69 عاماً)، وفيكي لي جونز (67 عاماً) من السود. قبل وقت قصير من إطلاق النار حاول المهاجم الدخول إلى كنيسة قريبة في الغالب سوداء، لكنها كانت مغلقة.

نوفمبر/تشرين الثاني 2018

الولايات المتحدة: مذبحة في معبد “شجرة الحياة”

سقط 11 قتيلاً في إطلاق نار جماعي استهدف كنيس “شجرة الحياة” في بيتسبيرغ، بنسلفانيا.

أثناء دخوله المعبد كان القاتل يصرخ: “الموت لكل اليهود”.

ومنفذ الهجوم مواطن يميني متطرف يُدعى روب باويرز (48 عاماً)، وكان يتهم اليهود على حساباته عبر الشبكات الاجتماعية بمحاولة جلب المسلمين “الأشرار” إلى الولايات المتحدة.

أخيراً..

إلى أين يأخذنا

التطرف الأبيض؟

برامج استئصال جذور التطرف هي حجر الأساس في استراتيجيات مكافحة الإرهاب في العديد من الدول.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى مكافحة التطرف من خلال تحديد الأفراد الذين أصبحوا في دائرة التطرف والتشدد، أو أولئك المعرضون لخطر أن يصبحوا كذلك، ومن ثم إعادة دمجهم في التيار العام السائد بالاستعانة بالإرشاد النفسي والديني بجانب التدريب المهني.

ويخشى منتقدو هذه السياسة من أن هذه البرامج تُجرِّم المجتمعات المحلية والأسر والأفراد وتُلحق بهم وصمة العار، بالإضافة إلى ذلك، هناك أسئلة حول مَن تتعاون الحكومات معهم للحصول على المعلومات؟ وما إذا كان ينبغي إلزام الموظفين العموميين بالإبلاغ عن المتطرفين المحتملين؟

هناك أيضاً عدد قليل للغاية من الأدلة على نجاح هذه البرامج، إذ فشلت معظمها في تقييم تقدم حالة المشاركين، ونادراً ما يجري دراسة معدلات العودة إلى الإجرام. وفي تقرير صدر عام 2016 حذرت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان البريطاني من أن استراتيجية الحكومة لمكافحة التطرف تستند إلى نظريات غير مُثبتة ومخاطر تزيد من تفاقم الوضع، بحسب المجلة العلمية.

التدخل مبكراً وإشراك المجتمع

يكمن مفتاح مكافحة التطرف في معالجة جذوره الاجتماعية، والتدخل في وقت مبكر قبل أن يصبح أي شخص «فاعلاً مكرَّساً» على استعداد لإفناء حياته في سبيل إحدى القضايا، كما يقول سكوت أتران من مركز حل النزاعات المستعصية التابع لجامعة أكسفورد، والذي يضيف: «حتى ذلك الحين هناك كل الأشياء التي يمكنك القيام بها».

ويؤكد أن أحد أكثر تدابير المواجهة فاعلية هو إشراك المجتمع. فعلى سبيل المثال، كرة القدم في المدارس الثانوية وحركة الكشافة من الوسائل الفعالة في مواجهة السلوك غير الاجتماعي بين أبناء المهاجرين المحرومين من التمتع بحقوقهم في الولايات المتحدة.

الهُوية البيضاء المزعومة فكرة عنصرية تتجاوز كل المشتركات الإنسانية، وتعبر حدود الجغرافيا والدين والتعايش.

الهدف المشترك هو القتل، هو التخلص من كل الملونين والأقليات والمهاجرين وأصحاب الأصول غير البيضاء.
.
.

وما زال الكوكب ينزف بالكراهية حتى إشعار آخر.

بعد مذبحة نيوزيلندا.. هل يتراجع اليمين المتطرف حول العالم أم يزداد صعوداً؟

https://arabicpost.shorthandstories.com/new-zealand-shooting-white-supremacy/assets/templates/set-a/placeholders/transparent.png

سلَّطت مذبحة المسجدين بنيوزيلندا الأضواء على مصطلح اليمين المتطرف ومفرداته مثل «تفوق الجنس الأبيض» و «القوميون» و «النازيون الجدد» وغيرها، ورغم الصدمة المروعة من وحشية الجريمة التي ارتكبها بدم بارد شاب أسترالي أبيض ضد مَن سمّاهم «الغزاة»، يُخطئ مَن ينظر إلى ما حدث على أنه حادث فردي منعزل قام به شخص عنصري متعصب لتفوُّق جنسه الأبيض.

في الواقع، الأمر أكثر بشاعة مما يبدو وما ظهر حتى الآن في وسائل الإعلام حول العالم، يمكن ببساطة تسميته بقمة جبل الجليد، فهل يؤدي التنديد العالمي بالمجزرة شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً إلى تراجع ذلك الوحش المخيف المسمى باليمين المتطرف ومحاصرته، أم أن العكس هو الأقرب للحدوث على أرض الواقع؟

نبدأ رحلة الكشف عن مدى عُمق جبل الجليد المسمى باليمين المتطرف من نيوزيلندا نفسها حيث مسرح المذبحة، وحيث تتواصل محاولات فهم ما حدث هناك.

«الإسلام عدو.. والهجرة غزو»

«حكماً على التيمات والإشارات التي كتبها ورسمها مرتكب المجزرة على أسلحته النارية والمنتشرة في الفيديو الذي بثه للجريمة، ورموز «الشمس السوداء» المعلقة على صدره، من الواضح أن مطلق النار كان عضواً في جماعات يمينية وفاشية متطرفة» بحسب مقال نشره «بين إيلي» باحث بارز في شؤون اليمين المتطرف في صحيفة نيوزيلانداهيرالد.

كان النازيون يستخدمون رمز الشمس السوداء أثناء الحرب العالمية السوداء، واليوم يتم استخدامه بشكل عام من جانب أعضاء النازيين الجدد واليمين المتطرف والرمز لا يعني ارتباط الشخص بجماعة نازية معينة بقدر ما يربطه عموماً بذلك الفكر المتطرف.

الإشارات والإيماءات والرموز التي استخدمها السفاح الأسترالي مصممة لإبهار وتحميس جمهوره اليميني المتطرف.

«أعضاء تلك الجمعيات هم شباب ذكور غاضبون لونهم أبيض يشعرون بالخذلان من جانب مجتمعاتهم التي وعدتهم بكل شيء، لكنهم فوجئوا بأزمة مالية كبرى (2008) وهم في بداية مشوارهم العملي، ووجدوا حولهم صعود مفاهيم مثل «المساواة بين المرأة والرجل» و «تعدد الثقافات» فنظروا إليها بعدائية على أساس أنها السبب في معاناتهم.

جماعات قومية عنصرية

هؤلاء الشباب الأبيض الغاضب يتطلع لليمين المتطرف؛ لأنه يقدم لهم رداً على الوضع القائم، ولأنه يقدم لهم الطريق لاستعادة مجتمعات السيطرة والتفوق فيها للجنس الأبيض دون غيره!

تلك الجماعات هي جماعات قومية عرقية تؤمن أن السبيل الوحيد لإيجاد «مجتمعات مسالمة» هو استبدال الدول الحديثة بـ «الدول العرقية» التي تتكون من جماعة عرقية واحدة، ويؤمنون بنظريات مؤامرة (غالباً ما يناقض بعضها بعضاً أصلاً)، يتركز معظمها الآن حول الإسلام الذي ينظرون إليه على أنه عدو الثقافة الغربية البيضاء العرق.

يقدم اليمين المتطرف لهؤلاء تفسيرات سهلة لفشلهم يلقي باللائمة على أعداء أقوياء، ويقنعهم أنهم يمكن أن يكونوا أبطالاً ضمن ثقافة حرب يمكنها أن تندلع في أي يوم الآن.

مكمن الخطورة الأكبر وراء هذه الأفكار المتطرفة هو صعود الأحزاب اليمينية حول العالم في السنوات الأخيرة مقابل تراجع أحزاب الوسط واليسار. فالأحزاب اليمينية تلقي باللائمة في المشاكل الاقتصادية والأمنية على الهجرة بشكل عام، مما يعني تبنّي الأفكار العنصرية نفسها والخطاب العدائي تجاه المهاجرين الذي رأيناه جميعاً في أبشع صوره في مذبحة المسجدين في نيوزيلندا.

ترامب في مرمى النيران

من نيوزيلندا إلى الولايات المتحدة؛ حيث ما يراه الكثيرون على أنه أكبر مثال على صعود اليمين المتطرف وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان من الطبيعي أن يصبح هدفاً للهجوم من جانب كارهي ذلك الخطاب العنصري بعد مجزرة نيوزيلندا.

«الرئيس (ترامب) ليس عنصرياً يؤمن بتفوق الجنس الأبيض. لست متأكداً كم مرة علينا أن نقول ذلك!»، هكذا رد القائم بأعمال كبير موظفي البيت الأبيض «ميك مولفاني» على الهجوم المتزايد على خطاب ترامب «العنصري» في أعقاب مذبحة المسجدين، وذلك في برنامج «فوكس نيوز الأحد».

«دعونا نصف ما حدث في نيوزيلندا الوصف الدقيق: هذا فعل بشع وشرير وقبيح، ولابد أن نعرف السبب وراء انتشار مثل تلك الأفعال حول العالم. لكن هل دونالد ترامب السبب؟ بالقطع لا!»

مولفاني أضاف أيضاً أنه من «الظلم» وصف الشخص الذي ارتكب تلك المذبحة بأنه من أتباع ترامب؛ لأنه أشار للرئيس في البيان الذي نشره.

مذيع البرنامج كريس والاس قال إن ترامب استخدم نفس الخطاب الذي أشعل التوترات، وبث مقاطع لترامب أثناء سعيه للفوز بالرئاسة في 2016 يقول فيها ساكن البيت الأبيض الآن يؤمن بأن «الإسلام يكرهنا»، ثم بث أيضاً تعليقات أخرى قالها ترامب الأسبوع الماضي فقط وصف فيها تدفق الهجرة غير الشرعية بأنها «غزو»!، طبقاً لموقع ذا هيل.

هل المجزرة بداية أم نهاية؟

أفكار مثل «كراهية المسلمين للحضارة الغربية» و «غزو المهاجرين» يرددها السياسيون في الأحزاب اليمينية المتطرفة منذ عقود، لكن تلك الأحزاب لم تكن تحظى بشعبية ولا تلقى قبولاً. أما في السنوات القليلة الماضية، فقد تغير الأمر تماماً وحصلت تلك الأحزاب على نسب تصويت عالية تتزايد باستمرار في الانتخابات في أوروبا وأمريكا وحول العالم، وهو مؤشر واضح على تفاقم العنصرية والاستقطاب.

في هذا الإطار، كتب الباحث المصري طارق حجي تغريدة على حسابه الرسمي على تويتر قال فيها إن «اليمين الأبيض متزايد الانتشار في أمريكا وأوروبا وأستراليا وهو في بداياته وسيتنامى ويصل للحكم في هذه البلدان».

قُبلة الحياة لداعش والقاعدة؟

ليس من المستبعد بالطبع أن تقع حوادث انتقامية من جانب الجماعات المتطرفة التي تنتسب للإسلام مثل داعش والقاعدة، أو حتى من جانب أفراد يتبعون أفكارها المتطرفة دون أن يكونوا منضمين إليها، والعقلاء فقط يدركون خطورة ذلك.

رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد حذر الأحد 17 مارس/أذار 2019 من أي ردة فعل انتقامية، داعياً إلى ضبط النفس: «إن مغبة الانتقام للهجوم ستكون عملاً أسوأ».

لكن الرد جاء سريعاً؛ حيث وقع إطلاق نار عشوائي في محطة ترام في هولنداالإثنين 17 مارس/أذار، أوقع في حصيلة أولية 3 قتلى وعدداً غير محدد من المصابين وأفادت الشرطة الهولندية بأنها تبحث عن رجل تركي في السابعة والثلاثين من العمر تشتبه أنه وراء الحادث!

حوادث متفرقة لكنها مرتبطة

نعود إلى نيوزيلندا وجارتها أستراليا حيث بدأت محاولات كشف جبل الجليد لنرصد بعض الحوادث ذات الدلالة في ذات السياق، فنجد تعرُّض امرأتين مسلمتين لإساءة لفظية في محطة قطار مونت ألبرت في أوكلاند بنيوزيلندا، الأحد 17 مارس/آذار، لارتدائهما الحجاب، حيث قال المهاجم (أبيض في العشرينات) للأختين: «عودا إلى بلادكما اللعينة»، أي بعد يومين فقط من المجزرة.

في السياق ذاته، ألقت الشرطة القبض على أسترالي جديد توجَّه بسيارته إلى مسجد وأطلق كلمات مسيئة. ووفق صحيفة The New Zeland Herald النيوزيلندية، فقد توجَّه رجل بسيارته نحو بوابات مسجد في ولاية كوينزلاند الأسترالية، وصاح بكلمات مسيئة إلى المصلين داخل المسجد، من خلال نافذة سيارته.

لكن اللقطة الأكثر دلالة فيما نحن بصدد الإجابة عنه ربما تكون ما ذكره موقع Stuff النيوزيلندي من أن متاجر الأسلحة في البلاد شهدت حالةً من النشاط الكبير، في ظل «حمى الشراء» التي أصابت المواطنين بعد وعود جاسيندا أرديرن، رئيسة الوزراء، بتشديد قوانين السلاح في أعقاب هجوم كرايستشرش.

ترويع المسلمين كي يعودوا من حيث أتوا!

الشواهد كثيرة ومتسارعة وجبل الجليد يطفو إلى السطح وينكشف ربما أسرع مما تصور الكثيرون، فمدى وعمق انتشار الأفكار العنصرية لليمين المتطرف – رغم الشواهد التي تبدو الآن أكثر واضحا – لا يزال حتى الآن متوارياً خلف الاهتمام الإعلامي الغربي بتطرف الجماعات التي تنتسب للإسلام وتتحدث باسمه.

فرغم  كون مجزرة المسجدين حادثاً نادراً أصلاً في نيوزيلندا، لا يمكن اعتباره حادثاً منفصلاً عن الغرب حيث يُوجَّه خطاب كراهية المهاجرين المتصاعد ضد المسلمين في الغالب.

وفي هذا الصدد، يقول بيتر بيرغن، محلل شؤون الأمن القومي في شبكة CNN الأمريكية، إن الأعمال الإرهابية الوحشية الأخيرة في نيوزيلندا تسلط الضوء على ثلاثة توجهات ناشئة في الغرب: «الهجمات على الأهداف الإسلامية، واستخدام الشبكات الاجتماعية كمنصة يستخدمها الإرهابيون لنشر لقطات فيديو حية، واستهداف دور العبادة بشكل مروع».

بيرغن اعتبر أن الهجمات الإرهابية في نيوزيلندا تعد جزءاً من توجّه منتشر في الغرب، حيث يستهدف الإرهابيون دور العبادة التي كان استهدافها محظوراً بشكل عام في الماضي، مستبعدا أن يكون إطلاق النار في المسجدين هو الأخير.

ترامب لعب دوراً في تغذية هذا الفكر

يتفق الكاتب والباحث جي بي بيرجر مع الطرح ذاته، ففي تحليل مطوَّل لتاريخ اليمين المتطرف ودور الرئيس الأمريكي الحالي في تغذيته، يرى بيرجر أن الاختلافات التاريخية بين مختلف جماعات اليمين المتطرف منعت إلى حد ما حدوث تعاون كبير بينها رغم الاتفاق في الهدف وهو سيطرة الجنس الأبيض على العالم.

لكن ما كشفت عنه مجزرة نيوزيلندا وحوادث أخرى سبقتها هو وجود «عدو قوي» يسعى اليمين المتطرف للقضاء عليه، ضمن نظريات المؤامرة التي يغذيها منظِّرو وقادة الفكر اليميني المتطرف، وهذا العدو هو الإسلام والهجرة. والتعامل مع هذا العدو يقوم على فكرة الترويع حتى يعودوا من حيث أتوا، في ظل النظر إليهم كغزاة، طبقاً لموقع ذي أتلانتيك.

في ذات السياق، ترى كاثلين بيليو، مؤرخة وكاتبة في جامعة شيكاغو، أن مذبحة نيوزيلندا على بشاعتها ليست سوى حادثة واحدة على ما يبدو أنه سيكون طريقاً طويلاً من هجمات اليمين المتطرف، حيث إن تحليل البيان الذي نشره مرتكب المجزرة يوضح أن الهدف الرئيسي منه هو تشجيع آخرين على تقليد ما قام به.

«الباحثون وثّقوا كيف يقوم اليمين المتطرف بجماعاته المختلفة بنقل الأفكار والتدريب والأسلحة أيضاً إلى بلدان أخرى يتركز فيها الجنس الأبيض – كما حدث في نيوزيلندا – فهم لا يعترفون بالحدود بل يريدون عالماً أبيض يخلو من الأعراق والديانات الأخرى»، قالت بيليو لموقع فوكس، مضيفة أن كل المؤشرات حول العالم تؤكد أن فرص زيادة حدة اليمين المتطرف أكبر بكثير من فرص تراجعه.

المؤكد الآن أنه بعد مجزرة نيوزيلندا أصبح الفكر اليميني المتطرف هو حديث العالم، وتعالت الأصوات المحذرة من خطورته، فهل ينجح تسليط الأضواء في انكماش وتراجع ذلك التيار أم أن العكس هو ما سيحدث؟ لا أحد يمكنه الجزم بما هو قادم بالقطع، ولكن الواضح الآن أن مكافحة الفكر اليميني المتطرف معركة تحتاج لتعاون أكثر بين أصحاب الفكر المضاد من تنوع وتعايش سلمي بين البشر على اختلاف ألوانهم ودياناتهم وثقافاتهم.

13,048 عدد المشاهدات

2 عدد التعليقات “اليمين المتطرف والبشرة البيضاء الملوثة أيديهم بالدماء والذي يقود العالم إلى الدمار الشامل

  • 9 أبريل، 2019 at 9:53 صباحًا
    Permalink

    اعتبر ان هذا المقال دراسه مستفيضه لواقع مرير حادث علي ارض الواقع يعكس نتائج لفكار ومعتقدات تؤثر بفاعليه كبيره في حاضرنا ومستقبل البشريه اذا صارت علي النحو الذي تسير فيه الان.وما نريد ان نصل فيه من هذا التعليق وبصوره مقتضبه هو انه علي كل من يهمهم الامر ويخافون علي استرارية الحضاره علي سطح كوكب الارض ان يكونوا تنظيمات ومراكز وقواعد إنسانية تعمل علي مجابهة الافكار والسلوك والفلسفات والتنظيمات ذات الطابع العنصري وذلك من قبل الدول والمجتمعات المدنيه لايقاف هذا المد العنصري وتوضيحه والرد علي ادعاءاته وتبيان ذلك للشباب اعتبارا من المدارس وحتي المنتديات وكذلك سن القوانين التي توقف هذا المد السرطاني للفكر اليميني المتطرف الذي يدعوا الي تفوق الجنس الأبيض وسيادته علي باقي الاجناس واحقيته في القضاء علي ما دونه من الاجناس وكذلك محو الصوره الذهنيه عن تفوق الجنس الابيض عن باقي الأجناس كذلك صدور قوانين تمنع السياسيين من عمل دعاياتهم الانتخابيه في صور ودعاوي عنصريه او تقديم برامج اعلاميه او سياسيه عنصريه او نحو ذلك كما علي المغتربين والمقيمين في اوروبا الاستعداد بكل شيء لموجات وسلوكيات عنصريه قد تادي لاحداث اضرار يهم وان يتكاتفوا ويتحدوا استعدادا لاحداث الغد المرتقب خاصة ان اليمين اصبح في مواقع اتخاذ القرار ومن الصعب تغيير الواقع الا بعد حدوث كوارث لا يعلم مداها الا الله

    • 16 أبريل، 2019 at 10:07 صباحًا
      Permalink

      صدقت اخي أبو محمد. بارك الله فيك وربنا يزيدك علماً ونفعاً.

Comments are closed.