تعرف على حكام الجزائر الحقيقيين الحيتان سكان القصور والأحياء الغنية في المرادية أو حيدرة الواقعة على مرتفعات العاصمة من وراء الستار داخل الصندوق الأسود

بقلم المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي
الدكتور صلاح الدوبى
رئيس منظمة “إعلاميون حول العالم” فرع جنيف- سويسرا
رئيس اتحاد الشعب المصرى
“عضو مؤسس في المجلس الثوري المصري”
بالرغم من الثورة الشعبية ومن النهب المستمر لثروات الشعب الجزائرى طيلة العقود الماضية، وبالضد من التيار السياسي الجارف المنادي بالتأسيس لانتقال ديمقراطي حقيقي في الجزائر، أصرت عصابة الحكم في الجزائر على إعادة ترشيح الرئيس الميت الحي عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، ضاربين عرض الحائط بكل لا أقول بملايين الأصوات التي تعالت في مختلف أرجاء الجزائر وعلى امتداد وجود الجزائريين في العالم، وإنما بكل ما منسوب للعقل والمنطق الذي يفترض حدا أدنى من الصحة في الشخص المترشح لمنصب الرئاسة.
وصف الجنرال الجزائري المتقاعد حسين بن حديد، في حوار مع “إذاعة المغرب إف إم” الجزائرية، سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بـ”المختل عقليا”. وقال إن”سعيد بوتفليقة هو الحاكم الفعلي للجزائر ويخطط لتولى منصب الرئيس في مكان أخيه”.
وفي شريط مصور مدته 26 دقيقة تم بثه على موقع “يوتيوب”، أكد الجنرال حسين عبد الحديد، أنه توقع إبعاد مدير الاستخبارات توفيق مدين من مهامه بعدما فقد أهم صلاحياته الأمنية والاستخباراتية، مشيرا إلى أن سعيد بوتفليقة هو الذي وقف وراء هذا التنحي، لأنه يريد أن يزيل جميع العقبات التي يمكن أن تعترض مساره من أجل تولي منصب رئيس الجزائر في مكان عبد العزيز بوتفليقة
عائلة بوتفليقه وجنرالات العسكر ورجال الأعمال تماما كما يحدث فى مصر منذ إنقلاب 1952، تمكن هذا “الثلاثي” بقيادة شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة من الأخذ تدريجيًا بزمام السلطة في الجزائر. والآن، بدأ رجال المختفون خلف الرجل القعيد يرتجفون وراء البوابات العالية للقصور والأحياء الغنية في المرادية أو حيدرة الواقعة على مرتفعات العاصمة. ويراقب أمراء الحرب فى النظام الجزائري بقلق الانتفاضة المتواصلة، وهم يعلمون جيدا أن الشعب الجزائري لا يستهدف من خلال هذه المظاهرات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فحسب، بل من يحركه أيضا.
لكن الجميع فى العالم العربى والغربى يسأل من يدير الجزائر من خلف الكواليس؟ ذكر الخبير في العلوم السياسية محمد هناد أن “هذا أهم سؤال يجب طرحه”، مشيرا إلى أن “النظام الجزائري يعد من أكثر الأنظمة غموضا وهو أشبه بالصندوق الأسود سواد القبور. وينغلق هذا الصندوق على عالم يضم عائلة بوتفليقة، والضباط أصحاب الكروش المنتفخة، والسياسيين أصحاب الوجوه المتعددة، ورجال الأعمال المتوحشين؛ الذين يشكلون مع بعضهم مركز حلقة النظام”.
في سياق متصل، أفاد الخبير في العلوم السياسية حسني عبيدي بأن هذا “الثلاثي” بدأ يحل شيئا فشيئا مكان النظام المطلق لبوتفليقة، وحدث ذلك تحديدا عندما ظهرت على الرئيس بوادر المرض سنة 2000، قبل أن يجري في باريس عملية على قرحة المعدة سنة 2005″. وكما ذكر آنفا، يتكون هذا الثلاثي من العائلة والجنرالات ورجال الأعمال.

“سعيد الرجل النحيل الخبيث أصبح صوت الرئاسة الوحيد”
بعد موت بومدين سنة 1978، ظن عبد العزيز بوتفليقة أنه سيخلفه مباشرة في السلطة، ولكنه تعلم خلال العشرين سنة التي قضاها في المنفى أن لا يثق سوى بأسرته، وخاصة إخوته وشقيقته زهور. وقد كرست زهور كل جهودها للاهتمام بشقيقها عبد العزيز منذ عودته القوية سنة 1999، وبمرور الوقت أصبحت تسهر على رعايته في مقر إقامته بزرالدة، حيث تستقر الحاشية في الضاحية الغربية للعاصمة. وفي سنة 2010، توفي مصطفى، الذي كان الطبيب الخاص لعبد العزيز بوتفليقة، بعد إصابته بالسرطان.
تكفل أشقاء “الرئيس” الثلاثة بالأعمال، ومن بين الأوفياء عبد الرحيم المعروف أكثر باسم ناصر، الذي يشغل منصب أمين عام وزارة التكوين المهني، وهو معروف بأنه “الأخ المقرب” لعبد العزيز. أما الثاني، فهو عبد الغني الذي ذاع صيته خلال السنوات الأخيرة، ولكنه بات اليوم متقاعدا بسبب معاناته طويلا من المرض. وقد تم تداول اسمه في قضية خليفة المدوية، وهي فضيحة مالية جدت سنة 2000 وجمعت بين الفساد واختلاس الممتلكات العامة. ووصفت وثيقة نشرت على موقع “ويكيليكس” سنة 2010 تحدثت عن فساد أشقاء الرئيس، عبد الغني بأنه “طائر جارح”.
لكن يبقى سعيد أقوى الإخوة الثلاثة، بما أنه يخلف مكان الرئيس. إن سعيد الرجل النحيل وصاحب النظرة الباهتة التي تذكر بنظرة شباب جيل شقيقه الأكبر، والذي ينادى “بسيدي الأخ”، يدير شؤون البلاد الحالية من خلف أسوار قصر زرالدة، ولكن إلى أي حد؟ وفقا لحسني عبيدي، أصبح سعي منذ إصابة عبد العزيز بوتفليقة بالسكتة الدماغية سنة 2013 “صوت الرئاسة” أو بالأحرى “المتحدث باسم الرئيس”، حتى أنه يتشاور مكان أخيه مع ضيوف الجزائر بما في ذلك رؤساء الدول والحكومات الأجانب.
صرعات جنرالات لايشبعون تدور ضمن الجيش
أما القطب الثاني، فيتمثل في الجيش حيث يختبأ أصحاب الرتب الدنيا وراء الرتب العليا والأقوى نفوذا، خاصة رئيس هيئة الأركان أو رئيس جهاز المخابرات العسكرية (دائرة الاستعلام والأمن). وحسب المختص في العلوم السياسية، فإنه “في ظل الوضع الحالي، يعتبر رئيس الأركان الجنرال أحمد قايد صالح، الشخص الذي أرسى اليوم هذه الاتفاقية مع الرئيس بوتفليقة”. ولا يفوت هذا الرجل العسكري صاحب الشارب الخفيف والابتسامة النادرة أي فرصة لمهاجمة خصوم بوتفليقة.
تدور ضمن الجيش صراعات داخلية، فمنذ عدة أشهر، سقطت رؤوس بما في ذلك أسماء مرشحة لخلافة بوتفليقة، من أبرزهم الجنرال عبد الغني هامل، الذي يعتبر من بين أهم الشخصيات على رقعة الشطرنج السياسية. وتزامنا مع قضية الكوكايين، أقيل هامل من منصبه على رأس المديرية العامة للأمن الوطني خلال شهر حزيران/ يونيو سنة 2018.
تختلف الآراء داخل هذه البوتقة الأمنية حول الدور الذي تلعبه دائرة الاستعلام والأمن. ويرى العديدون أن دور البوليس السياسي قد تراجع منذ “تقاعد” الجنرال محمد مدين، المعروف باسم “توفيق”، الذي قاد هذا البوليس السياسي على امتداد ربع قرن. ووصفت الصحافة قطع هذا الرأس (أي توفيق) في ذلك الوقت بأنه “ضربة معلم” لحاشية بوتفليقة، حيث تحدثت صحيفة “الوطن” وصحيفة “الأخبار” عن “سقوط أسطورة” وعن “نهاية حقبة”.
في المقابل، يرفض البعض على غرار المختص في العلوم السياسي، محمد هشماوي تصديق “هذه القصة الوهمية” المنافية للواقع. وأكد هشماوي أن “تأسيس الدولة العميقة ساهم أكثر من أي وقت مضى في إحكام قبضتهم على صلاحيات القرار والتنفيذ في الدولة”. وأضاف هذا الباحث أن “هذه الصورة الزائفة حول تدمير الدولة العميقة، تعد آمن وسيلة للاستعداد لمرحلة ما بعد بوتفليقة”. 

عقود حكومية من أموال الشعب، تدفقات نقدية خارج البلاد
 وفقا لحسني عبيدي، يتمثل القطب الثالث في “مجموعة المصالح، إذ ازدهرت أعمال بعض رجال الأعمال بسبب سوء إدارة عبد العزيز بوتفليقة”. ولا يخفي العديد من أصحاب الشركات اليوم علاقتهم بالنظام. وهذا هو الحال خاصة مع رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الجزائريين، علي حداد، الذي اعترف بصداقته مع سعيد بوتفليقة “ومسؤولين مدنيين وعسكريين آخرين”.
لكن هذا الأمر يشكل خطرا أقل على النظام، ذلك أن هذا المختص في البناء والخدمات يساهم في العديد من المشاريع الجزائرية على غرار تشييد الملاعب والطرقات السريعة. ومنذ سنة، منحت الدولة شركة “مجموعة حداد” مناقصة بناء سد هيدروليكي في منطقة سيدي خليفة، في شمال شرق البلاد.
لا يزال رضا كونيناف رجل أعمال رئيسي في النظام الجزائري. ويتصدر هذا الرجل، البالغ من العمر أربعين سنة، قائمة أهم أثرياء الجزائر. وتفيد بعض الإشاعات بأنه يستعد لإطلاق قناة تلفزيونية مؤيدة لبوتفليقة. وتم تداول شائعات أخرى منذ سنتين تفيد بأن كونيناف مستعد لتمويل حملة عبد العزيز بوتفليقة الرئاسية، وحملة سعيد بوتفليقة إذا فكر في خلافة أخيه.
من جهته، أشار محمد هناد إلى أن “ما يحكم الجزائر اليوم هو “العلاقات التجارية” التي توحد هؤلاء الرجال في المقام الأول”. وبسبب العقود العمومية المثمرة والتدفقات النقدية خارج البلاد والتسهيلات الإدارية، أضحت الجزائر واحدة من أكثر الدول فسادًا في التصنيف العالمي لمنظمة الشفافية الدولية، لتحل المرتبة 105 من أصل 180 دولة إلى جانب كل من مصر والسلفادور. وهذا يعني أن الجزائر يديرها نظام فاسد قائم على اختلاس أموال النفط والغاز.
خلال سنة 2016، تحدثت فضيحة “وثائق بنما”، التي كشف عنها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، عن تورط النظام الجزائري في الفساد. كما كشف مكتب موساك فونسيكا للمحاماة عن وجود شبكة معقدة لتوزيع الرشاوى لصالح النخبة الجزائرية، يتورط فيها وزير الطاقة السابق شكيب خليل.
في الوقت الذي يحتج فيه الجزائريون اليوم ضد المحسوبية والفساد، هل يمكن أن يكون الانتقال في السلطة أمرا ممكنا؟ يتوقع حسني عبيدي أن صناع القرار في الجزائر اختاروا مرة أخرى بوتفليقة للترشح لانتخابات 18 نيسان/ أبريل، لأنه ليس هناك أي شخصية أخرى قادرة بالنسبة لهم على تقديم ضمانات للحفاظ على حصانة من هم الآن في السلطة.
 

11,866 عدد المشاهدات