بذور الوعي

بقلم الإعلامى
منير صغير
——————–
هناك دوّامة يحشر النظام (أو منظومة الحكم بتعبير أدقّ) فيها الجميع بوعي منهم أو بغير وعي. المنظومة – أولا – نجحت في التماهي مع الدولة ومؤسساتها بشكل حقيقيّ ومعقّد ونجحت في الترويج لذلك إعلاميّا حتّى صدّقت الطبقة السياسية كلّها ذلك – والشعب من باب أولى – أو تقبّلته كأمر واقع. ثمّ أصبح أيّ فعل أو حراك سياسيّ أو اجتماعيّ رهنا بموافقة (الدولة) ورضاها ممثّلا في اعتماد وترخيص وزارة الداخلية، أي رهنا بموافقة ورضا (منظومة الحكم) وعصبه.
(المنظومة) و(عصبها) تمتلك كل مقدرات الدولة ومؤسساتها وتحتكرها وتتصرّف فيها كأنها ملكية خاصّة موروثة أبا عن جدّ: البرلمان بغرفتيه والإعلام وخزينة الدولة والقضاء ومؤسسات التنشئة والتربية والتعليم والجيش والشرطة وأجهزة الاستعلامات والعلاقات الدولية والإدارة وغيرها.
الطبقة السياسيّة كلها ولأنّها لا تمتلك أي مورد من موارد القوّة والتأثير وتفتقد أي عمق وامتداد شعبي حقيقيّ مؤثّر ومستقلّ أصبحت رهينة هذه المنظومة، وحتّى مواقفها وأداؤها السياسيّ والإعلاميّ إنّما هو في الهامش المسموح به الذي رسمت حدوده المنظومة. أصبح رؤساء الأحزاب والساسة ورؤساء الجمعيات والهيئات الشعبية جزءا من المنظومة ولكن في وضع التابع بسبب غياب الرؤية والطموح والجرأة وبسبب سيف الاعتماد والترخيص وبسبب الرشوة بالمناصب والمكاسب وبسبب الفساد المالي والأخلاقي والسياسي وبسبب إِلْف الأبّهة والشهرة وشهوة العلاقات وبهرج الإعلام والمكانة الاجتماعيّة الوهميّة التي تصنعها المناصب والنفوذ وبسبب الضغط النفسيّ الرهيب الذي تمارسه المنظومة بكلّ ما تمتلكه من وسائل التأثير.

عند أيّ محطّة تاريخيّة ومفصل من مفاصل التغيير التي يمنّي فيها الشعب نفسه بالانتقال إلى الأفضل تُخرج له المنظومة من جرابها السحريّ شخصيّة من الشخصيّات التي صُنعت على عينها وتربّتْ في محاضنها وشربت حتى ارتوت من خمرها. ومن أجل ذلك فإن المنظومة وعصبها تصنع وتدّخر عددا كبيرا من هذه الشخصيّات إمّا في ثلاجتها أو في الهامش المسموح به أو من نواتها إذا تطلّب الأمر لتخرجهم أبطالا مغاوير يقودون التغيير ويؤطّرون الغضب الشعبي ويتبنّون مطالب الغاضبين من الشباب وتوفّر لهم في الغالب كلّ أسباب النجاح والشهرة بما لا يشكّل تهديدا وجوديا لها وهي من أجل ذلك تسمح بأن تُسبّ وتُشتَم وتأذن بتسريب وثائق وبيانات وأرقام وتغضّ الطرف عن حملات إعلامية شديدة وعنيفة أحيانا ما دامت مدخلاتها في يدها ومخرجاتها متحكّما فيها.
وقد نجح (النظام / المنظومة / العُصب ) في ترسيخ قناعة خطيرة جدّا مفادها أنّ أيّ تنظيم أو حراك أو جبهة سياسيّة لا يمكن إلا أن تكون قياداتها المركزيّة والرمزيّة من جرابها ومن بين أولائك الذين كانت تدّخرهم ليوم كريهة وسداد ثغر، و كان المبرّر دائما وما زال هو أنّهم يمتلكون الخبرة والعلاقات ومارسوا السياسة واطّلعوا من خباياها على ما لم يطّلع عليه المطالبون بالتغيير القادمون من أعماق الجزائر وأطرافها وأحيائها الشعبية من الذين لم تصنعهم المنظومة ولا تقدر على تطويعهم واختراق فكرهم ومشاريعهم وأن التنظيم والحراك يحتاج رجال دولة وسياسة وهي تقصد رجال (المنظومة) و(العُصب).

وهناك تحدّ آخر وهو أنّه حتى الخيّرون والطيبون والصالحون في مؤسّسات الدولة القويّة المؤثّرة أو في رجال السياسة من المعارضة قد تمّ اختراقهم على مستوى التفكير والمنطق والتحليل وقراءة الواقع واستشراف المستقبل واقتراح البدائل والحلول بحيث لا يمكنهم حتى لو سعوا في مسار التغيير إلا أن ينتجوا نفس الأفكار و نفس الخطاب ونفس الأداء الذي تشرّبوه وتلوّثت به عقولهم ومشاعرهم أثناء عقود من انخراطهم في (النظام/المنظومة/العصب).
ولأنّ النظام وظيفيّ بامتياز فإنّ كل من يرتبط معه بالشكل السابق سيؤدّي دورا وظيفيّا حتما وسيجد نفسه من عبيد الحقل في أحسن أحواله ولا يمكنه التخلّص من هذا الوضع إلا عبر ثورة شعورية وفكرية وسياسيّة يصعب جدّا أن يتحمّل تبعاتها وتكاليفها وضريبتها.
ما الحلّ ؟
الحلّ هو قطيعة ومفاصلة شعوريّة وفكرية أوّلا مع المنظومة كلّها بكل تمثّلاتها وأذرعها .
ثمّ تخلّص من كلّ الفساد والأبّهة والرفاهية والنعيم والعلاقات المشبوهة التي تقيّد الشرفاء والصادقين والصالحين داخل المنظومة وتعيق انطلاقهم أحرارا في خدمة شعبهم ودينهم ووطنهم والسعي إلى تحريره واستكمال سيادته واستقلاله وتحقيق نهضته الحضاريّة.
ثم مكاشفة ومصارحة كاملة واعتذار شجاع بكلّ عزّة نفس عن تاريخ طويل من الاصطفاف والتخندق مع هذه المنظومة الوظيفيّة والمشاركة في دعمها والتستّر عليها وإعطائها شرعية تفتقدها منذ لحظات تشكّلها الأولى.
ثمّ صياغة خطاب أو خطابات حازمة واضحة ومن مستويات متعدّدة كلّ من موقعه يدرك الشعب من خلالها أنّ هناك حراكا ومسارات جديدة جديرة بالثقة والمساندة.
إنّنا لا نطالب بالانسحاب والاستقالة الجماعيّة من مؤسسات الدولة برغم وظيفيتها وتماهيها مع المنظومة وصعوبة الفصل بينهما في المدى الزمني القريب، ولكن المطلب الأساس في هذه المرحلة هو التأسيس لهذا المستوى من الوعي والتفكير في انتظار صياغة خطاب جديد جادّ وواعٍ وتفعيل أداء تنظيميّ فعّال ومؤثّر وأصيل. كما أنّه من الضروريّ جدّا الآن أن نتخلّص من وهم الشخصيّات الرمزية التي تمتلك شرعية أو شرعيات مُنحت لها هبة من المنظومة وعصبها مقابل خدمات وظيفيّة تؤدّيها بقصد أو بغير قصد، والتي تمّ تسميم وعي أجيال من الجزائريّين أنّه لا يمكنهم الخلاص والتغيير إلا بحضورهم وقيادتهم وتأطيرهم والاستفادة من خبراتهم وعلاقاتهم، وألّا ننتظر الخلاص والنجدة ممّن تربّى ونشأ وصاغ منطقه وتفكيره وأداءه السياسيّ من داخل مؤسسات المنظومة إلّا إذا أثبت بمواقفه وخطابه وفعاليته السياسية غير ذلك، والطرق إلى ذلك سهل يسير على من طلبه وسعى إليه وصدق في مسعاه مع أنّ تكاليفه وضريبته شاقّة وثقيلة مرهقة.
كل حركات التغيير الكبرى في التاريخ كان قادتها ومنظّروها وحاملو مشعلها رجالا من خارج المنظومات السائدة والحاكمة المهيمنة، أو من داخلها ولكنهم تحقّقوا بالشروط السابق ذكرها وأدركوا اللحظة التاريخية الفارقة.
فليبحث هؤلاء عن أولئك وأولئك عن هؤلاء ..
أو فليسِرْ كلّ في طريقه إلى غايته والله على جمعهم إذا يشاء قدير.. فإنّ الانتظار إذا طال سيفوّت خيرا كثيرا وفرصا لا تأتي كلّ شهر أو سنة ويهدر طاقات قد لا يتسنّى تجميعها بيسر في كلّ محطّة تاريخيّة.
#
بذور الوعي
#
مشروع_جديد
#
زرع_أخرج_شطأه
 
 

3,698 عدد المشاهدات