الجثة التي قسمت ظهر البعير

بقلم الإعلامى الكبير
أحمد مشعل
الكاتب الصحفي خاشقجي ليس أول من قام آل سعود بقتله أو تصفيته أو خطفه لمجرد أنه انتقد سياسة الحكومة السعودية في كتاباته الآخيرة .
عندما يُقلق ويُزعج القلمُ عرشَ ملكٍ فهذا لا يدل بالضرورة على قوة القلم ولا على قوة الذي يمسك به ويكتب ولا أهميته، ولكن يدل على هشاشة الملُك وضعف العرش واهتزازه واقتراب زواله .
لما قال الله تعالى في سورة القصص :} إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ {4} قابل هذا “العلو ” في الآية التي تليها للمؤمنين “بالتمكين ” فقال تعالى :} وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ {5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ {6}”
وبلا شك فإن هناك فرق ما بين “العلو” و “التمكين “ وإن كان ظاهرهما أنهما متشابهان ، “فالعلو ” جاء في القرآن مذموماً ومقترناً بالجبابرة ، أما “التمكين ” فجاء ممدوحاً ومقترناً بالمتقين المستضعفين .
الفارق الثاني والمهم هو أن “العلو” يسقط بأقل الأسباب ويأتيهم من حيث لايعلمون ، أما “التمكين” ينتهي إذا فقد الشرط الذي وضعه الله تعالى له في سورة “محمد” وهو : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ {7}، ويشرحه قول الله تعالى في ذات السورة: } وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ {38}.
لما أراد الله أن يُهلك النمرود أرسل له إبن النجار لينذره ، فكذب وآبى ، فأرسل عليه ذبابة دخلت إلى رأسه عن طريق أنفه لتعذبه السنين الطوال ولا يسكت عنه الألم إلا بعد أن يُضرب بالأحذية على رأسة ، حتى هلك ..
لما أراد الله أن يهلك فرعون أرسل له طفل يعوم على وجه الماء ليقوم هو بتربيته ليكون عليه حزناً ، ويُسقط ملكه ثم يغرقه هو وجنوده أجمعين .
لم ينقذ النمرود جيشه ولا ملكه ، كما لم ينقذ فرعون جيشه ولا ملكة.
إن الله لم يذكر لنا هذه القصص في القرآن لنتسلى بها ، ولكن لنتذاكرها ونأخذ منها الدروس والعبر ، ولا نفعل مثلهم .
لكن حكام العرب لا يقرآون كتاب الله وإذا قرأوه فلا يفهموه ، وإذا فهموه فهم لا يؤمنون بما فيه ، هم يدعون فقط أنهم يؤمنون به ، وهم أبعد الناس عنه.
آل سعود هم من حاربوا الخلافة العثمانية وكانوا من الذين أسقطوا الخلافة ليثبت لهم ملك الجزيرة العربية ، ومن يومها ينفقون كل ما يملكون وما لا يملكون من أموال المسلمين ليبقى ملكهم ، ويسفكون دماء المسلمين في كل أنحاء العالم كي لا تعود خلافة إسلامية مرة آخرى ، يبحثون عن الحماية عند أعداء الإسلام والمسلمين ، وتصريحات الرئيس الأمريكي “ترامب” أصبحت تملأ الإعلام العالمي بأن الجيش الأمريكي هو من يحمي ملك آل سعود ، وعليهم أن يدفعوا أكثر وأكثر .
آل سعود مثلهم كمثل أي نظام ديكتاتوري يبني ملكه بالحديد والنار ويستتر وراء الإسلام والمثالية ، ولا يتحملون من ينتقدهم من أفراد الشعب ، والشعب بالنسبة لهم ماهم إلا عبيد ، ليس لهم إلا السمع والطاعة ، ومن أراد ان يرفع رأسه فليس له إلا قطع العنق ، ويظنون أن الله ما أعطاهم الملك إلا لتفضيله لهم كما قال تعالى في سورة المؤمنون: } فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ {54} أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ {55} نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ {56}.
الكاتب الصحفي خاشقجي ليس أول من قام آل سعود بقتله أو تصفيته أو خطفه لمجرد أنه انتقد سياسة الحكومة السعودية في كتاباته الآخيرة ، فلقد قام آل سعود باختطاف الكثير على مر مملكتهم ومنهم من حبسوه حتى الموت وآخرين قاموا بتصفيتهم لمجرد أنهم يختلفون في الرآي عن خط آل سعود .

والسؤال الذي يطرح نفسه : إذا كان آل سعود قد قتلوا وخطفوا وحبسوا قبل ذلك الكثير ومنهم من هو أهم من “خاشقجي” فما أهمية هذا الكاتب الذي أصبح جثة لا يعرف مكانها أحد إلا الله ومن قتله ودفنه ؟؟ وما خطر هذه الجثة على آل سعود ؟؟؟
هل هى الجثة التي ستقسم ظهر البعير؟؟
لقد سقط النمرود بأيد نبي ، وسقط فرعون بأيد نبي ، فهل يسقط ملك آل سعود بسبب “جثة”؟؟؟
الإشكالية في مقتل الكاتب الصفحي “خاشقجي” ليست في شخصيته بالضرورة ، فهو لا يمثل أكثر من شخص كآلاف وملايين من المسلمين الذين يقتلهم حكام العرب مع الجيوش الغربية التي تروح وتجيء في بلاد العرب والمسلمين يقتلون فيهم ويغتصبون نساءهم ، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، ولا يبكي عليهم أحد في أنحاء المعمورة ، ولكن الأهمية في مقتله لأسباب عدة منها:
أولاً : التوقيت : فتوقيت الحادثة هو من آخطر الأسباب على حكم آل سلمان ،
  • الظروف الداخلية : من إعتقالات للأمراء ونهب أموالهم ومحاولة تمكين الملك لمحمد إبن سلمان ، وهذا مالا ترغب فيه الأسرة المالكة .
كذلك إعتقال إبن سلمان لرجال الدين الذين يحبهم الشعب السعودي ويثق في كلمتهم ، وبدون أسباب معلومة ، كمقدمة لإخراج الدين من حياة الشعب في الجزيرة العربية.
كذلك تصريح إبن سلمان بتغيير جذري في النظام داخل المملكة من الناحية الدينية خاصة وتحويل الدولة من دولة إسلامية متدينة إلى دولة علمانية تتشابه بدول عربية أو غربية ، وبدأ في تغيير القوانيين ، والإنفتاح على العالم الآخر والمتجدات التي تتعارض مع مجتمع متحفظ ، وهذا ما يرفضه اغلب المجتمع داخل المملكة.
  • الظروف الخارجية والدولية:وهذا على عدة مستويات
أ : حرب اليمن التي خرجت من أيد حكومة الرياض ، وأصبحت الأصوات تتعالى بالإختراقات التي يقوم به طيران ما يسمى بالتحالف العربي في اليمن ، والضربات الخاطئة التي تحصد أرواح الأطفال والنساء ، وانتشار الأمراض والكوارث الإنسانية ، والتي أعلنت الأمم المتحدة في الأيام الآخيرة أنها أكبر الكوارث في العصر الحديث ، وأصبح العالم لا يستطيع السكوت عليها والتغاضي عنها.
ب : المقاطعة القطرية والتي أخرجت السعودية من دورها القيادي في المنطقة ، ودعت لخوف الدول من العلاقات مع السعودية وعدم الإطئنان لها، حتى أن الكويت قد أصبحت الجارة الثانية التي تبرم مع تركيا معاهدة دفاع مشترك لخوفها من القرارات المتهورة من القيادة الحالية في السعودية ، وأن تصبح قطر الثانية .
ت : الإدارة الأمريكية التي أعلنت وجهة نظرتها بصراحة عن دول الخليج ولا سيما السعودية بأنها “البقرة الحلوب” ، وينتظرون مثل هذه الأخطاء لتكون ورقة ضغط وإرهاب لحلب السعودية ، وها قد أعلنها ترامب واضحة ، على السعودية ان تدفع …وإلا…
د : الضغوط الغربية والكندية على الإدارة السعوية في ملف حقوق الإنسان وإنهاء حرب اليمن ، ومقتل خاشقجي ورقة ضغط جديدة للوصول إلى أغراضهم.
ثانياً : المكان الذي وقعت في الجريمة:
  • الدولة التي وقعت فيها الجريمة وهي تركيا ، ولا يخفى على أحد أن تركيا كانت تنتظر مثل هذا الخطأ لتحاسب سلمان وإبنه على موقفهم من محاولة الإنقلاب التي قام بها الجيش التركي في عام 2016 على الرئيس أوردغان ودعم السعودية والإمارات له ، كذا دعم إنهيار الليرة في الأيام الحالية لإسقاط أوردغان بعد فشلهم في إسقاطه في الإنتخابات الآخيرة بدعمهم المعارضة ، ولا شك أن مقتل خاشقجي ورقة ضغط وتأديبا لإبن سلمان ، والإعلام الغربي يتحدث اليوم عن صفقة بين واشنطن وأنقرة للإفراج عن القسيس الأمريكي المحبوس في تركيا بتهة التجسس ومقتل خاشقجي ، ومن المحتمل أن أمريكا قد ترفع يدها عن حماية إبن سلمان وتسلم تسجيلات صوتية للقضاء التركي التي تساعد في حل القضية .
  • المكان الذي تم فيه قتل خاشقجي وهو القنصلية السعودية ، فهذا العمل أخرج الهيئة الدبلوماسية عن خط عملها ، وأصبحت هي المتهم الأول والآخير في إختفاء الصحفي فضلاً عن قتله .
ثالثاً : الطريقة التي نفذوا به العملية :
تنفيذ العملية يدل على غباء ليس له حدود ، كان من الممكن التخلص منه بأبسط الطرق التي لا توصل الخيط إلى الدبلوماسية السعودية ، واختيار مكان آخر في دولة آخرى بعيداً عن تركيا ، لكن من الواضح أنهم فكروا في خطفه من تركيا وتوريط تركيا ، وإتهامها بخطفه ، لكن الله لا يصلح عمل المفسدين.
هذه بعض الأسباب التي جعلت من مقتل خاشقجي ذو أهمية كبيرة ، وأصبح حديث العالم ، وأعلنت أوربا ولا سيما إنجلترا أن هذا الآمر لن يمر مرور الكرام ، كما أعلن ترامب أن القضية لن تمر بسهولة على المملكة ، ولا شك فإن تركيا قد وقعت في يدها الفريسة ، والتي لن ترحمها ، ولا يجوز لها أن ترحمها .
الضغوط الدولية تتزايد يوماً بعد يوم على الإدارة السعودية ، والأيام القادمة حبلى بما لم يتوقعه النظام في المملكة ، والرياح تأتي بما لا تشتهي السفن ، والصفقة التركية الأمريكية لا يعلم بها أحد إلا الله ، فهل هي إبعاد محمد إبن سلمان عن سدة الملك ، وإرجاع الوضع على ما كان عليه ، قبل تعين محمد ولياً للعهد ، أم أن هناك ما هو أكبر من ذلك أو اقل !!!!
فهل جثة خاشقجي هي الشعرة التي قسمت ظهر البعير ، وكان ينتظرها الكثير لينتقم من آل سلمان أم لا !!!!
الواضح أن ما بعد الحادثة يختلف تماماً عن ما قبلها ، وعلى السعودية ان تستعد لدفع الثمن الباهظ ولا سيما آل سلمان ، وأن السكاكين كلها مستعدة للذبح سواء في الداخل من أمراء آل سعود أو من الخارج كتركيا وكندا وانجلترا وأمريكا .
ويكفي ما قاله الكاتب ديفيد هيرست فى مقاله أنه لم يعد أمام ترامب بعد الكشف عن محتويات التسجيلات الصوتية والمرئية سوى إجراء واحد ووحيد. لا يمكنه بعد الآن السماح لابن سلمان بأن يصعد إلى العرش .
هذه هي محصلة حكم أحداث الأسنان ، والقرارت المتهورة ، واللجوء لغير الله ، ومحاربة دين ، والتحالف مع اعداء الله ، والظلم ، وإنفاق أموال المسلمين فيما يغضب الله ، وغيرها من المخالفات والكبائر التي توعد الله تعالى فاعلها بالهلاك والتدمير والفناء .

24,890 عدد المشاهدات