من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى
* نحن اليوم نعيش فى عالم أشبه بالغابة البقاء فيها للأقوى وليس للأصلح . من له مخالب وأنياب تفتح له كل الأبواب . لا مكان فى هذا العالم للقوانين والدساتير وحقوق الإنسان , إلا إذا كان هذا الإنسان ينتمى إلى دولة قوية تملك مقومات القوة من مال ونفوذ وكلمة مسموعة بين الأمم . وما وجدت أفضل وصف وأجمل تشخيص لحال هيئة الأمم المتحدة المنوط بها حل المنازعات بين الدول , من قول الشيخ كشك رحمه الله حين قال : “إذا احتكمت دولتان صغيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الدولتان الصغيرتان معاً، وإذا احتكمت دولة صغيرة ودولة كبيرة إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الدولة الصغيرة، أما إذا احتكمت دولتان كبيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الأمم المتحدة نفسها. وهذا وصف حقيقي موضوعي لحال هيئة الأمم المتحدة اليوم التى تنحاز للقوى على حساب الضعيف , وللغنى على حساب الفقير , وللدول العظمى على حساب دول العالم الثالث التى لا حول لها ولا قوة غير انتظار بيانات الشجب والإدانة التي لا تسمن ولا تغنى من جوع . إنها سياسة عالمية لا أخلاق فيها ولا مبادئ . 
* لقد ورد فى المادة الأولى من مقاصد هيئة الأمم المتحدة ما يلى :” المادة الأولى : حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعّالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرّع بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها. ” فهل هذه المادة مفعلة اليوم , أم أن حقوق الدول المستضعفة قد تم تجميدها فى ثلاجة دفن الموتى إلى أجل غير مسمى ؟ أين الأمم المتحدة الأمس واليوم من حملات الإبادة الجماعية التى تعرض لها العرب والمسلمون من قبل المستعمر الغربى فى ظل نظام عالمى  جديد تتحكم فيه الولايات المتحدة الأمريكية منفردة لا شريك ولا منازع لها . لقد حصدت تلك المجازر أرواح الملايين فى البوسنة, و الشيشان , وكوسوفو, وكشمير, والهند , والفلبين , وأفغانستان , والعراق , وفلسطين , ولبنان , والصومال , وإندونيسيا , ونيجيريا , وبورما , واريتريا , و كردستان العراق وسوريا وغيرها. إن حملات القتل المنظم والتجويع نالت ملايين الأطفال كما في العراق . وملف المجازر الجماعية وعمليات الإبادة العرقية والتصفية الجسدية التى تحدث كل يوم للمسلمين فى شتى أنحاء العالم لا يكفيها مقال أو حتى ألف مقال .
 * لو عدنا إلى عصر الجاهلية الأولى , عصر ما قبل الإسلام لوجدنا نقطة مضيئة فى نفق الجاهلية المظلم ألا وهو ” حلف الفضول الجاهلى ” . الذى لا يوجد نظير له اليوم فى عالم الحضارة والرقى وحقوق الإنسان كما يزعمون . لقد سبق عالم الحجارة عالم الحضارة بهذا الحلف الأخلاقى الذى ضمن حق الإنسان فى عدم نهبه وسرقته وظلمه أيا كانت الأسباب , رغم ما كان فى هذا العصر من زنا وربا وظلم وطغيان واقتتال وعبادة الأوثان . وترجع حكاية  “حلف الفضول ” فى عصر الجاهلية الأولى إلى أن رجلا غريبا  من  ” بني أسد بن خزيمة ” قدم أرض مكة بتجارة فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي وكان سيدا فى قومه غير أنه أبى أن يدفع ثمن تلك البضاعة فاستجار الرجل ببعض سادات قريش ولكنهم رفضوا مساندته ومساعدته لمكانة ” العاص ” بينهم . فتفتق ذهن الرجل الغريب عن فكرة فعالة وهى الذهاب إلى مكان اجتماع عشائر مكة عند ” البيت ” وانشد شعرا حرك فيهم مكنونات المروءة وآثار فيهم نعرات الشهامة وحرك فى دمائهم عصبية القبلية التي كانت تغلي فى عروقهم . فما كان منهم إلا أنهم اتفقوا فيما بينهم على تشكيل ” حلف الفضول ” وقرروا فيه على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرها ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا معه على من ظلمه حتى ترد إليه مظلمته…! .
* واللافت للنظر والجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم حضر هذا الحلف قبل البعثة وهو فى سن العشرين وقد أشاد به بعد بعثته وقال عنه ” لو دعيت إليه فى الإسلام لأجبت ” . وهذا دليل قاطع وبرهان ساطع على أن القيم الايجابية والمبادئ الأخلاقية يجب الإشادة بها حتى ولو صدرت من أهل الجاهلية . نحن فى فى عالمنا العربي والاسلامى بل فى العالم كله اليوم  فى حاجة ماسة وملحة وعاجلة إلى أن نرتقى سياسيا وأخلاقيا وسلوكيا لنجتمع سويا على كلمة سواء  كما اجتمعت قبائل وعشائر مكة لنضع ميثاق شرف مشترك للعمل السياسي والإعلامي على ألا يظلم أحد ولا يسب أحد ولايهان أحد ولايهدر دماء أحد ولا يخون بعضنا بعضا ولا يشوه بعضنا بعضا ولايفترى الكذب بعضنا على بعض ولا يلوث أحدنا سمعة وعرض وشرف أخيه حتى ولو كان على غير ملته واعتقاده…! فهل إلى ذلك من سبيل..؟ إن دماءنا وأعراضنا اليوم صارت ارخص من تراب الأرض , ولو دكت دولة عربية أو إسلامية بالأسلحة المحرمة دوليا ما تحرك احد لإنقاذها من هول الدمار والخراب . لماذا كل هذا ؟ الجواب ببساطة لأننا صرنا لا قيمة لنا عند الآخرين لأن أنفسنا هانت علينا يوم تخلينا عن ديننا وعقيدتنا التى هى مصدر قوتنا بين الأمم .
 * إن  “حلف الفضول ” يكشف النقاب عن وجه الحقائق الدامغة والبراهين الساطعة أن المجتمع  – أي مجتمع – وإن اسودت صفحاته وزلزلت أركانه وخلخلت أعتابه وانتشرت فيه الرذيلة واندثرت فيه الفضيلة , لايخلو يوما من النبلاء الشرفاء الأسوياء الذين لايطأطؤون رؤوسهم إلا للحق ولايذعنون إلا للعدل ولايتحركون إلا للنشر القيم والأخلاق ونصرة المقهور المظلوم . إن شيوع الفساد ويأس العباد فى هذا العالم المأزوم لايعنى مطلقا خلوه من الفضائل ولا يعنى أبدا أن الرذائل فيه تحكمت والمصائب فيه تغلغلت وأن طرق الإصلاح قد تبددت وأن سبل لم الشمل قد تآكلت..! كلا… وألف كلا….فالخير فى نفوس هذه الأمة باق وإن طغت أمواج الشر على شاطئ الحياة . والأمة لن تخلو يوما من الرجال ففى هذه الأمة  مناجم للرجال كمناجم الذهب لايحجبهم عنا إلا غبار الزمن . لذا فإننا اليوم مطالبون جميعا بإعلاء راية الحق والعدل والحرية فوق أى راية . فلسنا أقل من عشائر قريش وقبائل مكة التي اجتمعت على كلمة سواء لنصرة المظلوم حتى يأخذ حقه من الظالم وإعانة الضعيف حتى يأخذ حقه من القوى ومساعدة المستضعفين حتى يأخذوا حقوقهم من الطغاة المتكبرين المستبدين أمثال ” العاص بن وائل السهمي ” الذي مارس البلطجة القبلية واستغل نفوذه القبلى على رجل غريب عابر سبيل , لكن هذا المظلوم وجد من بين ركام الجاهلية ورمادها جذوة نار تضئ له الطريق إلى العدل والحق والحرية . نحن أحق من أهل الجاهلية اليوم بهذا الحلف , لكن ينقصنا شئ واحد فقط : ينقصنا الرجال فقط .  لكن أين هم اليوم ؟
 

19,376 عدد المشاهدات