“الناتو العربي” مغامرة أمريكية لتمكين الدكتاتوريات المستبدة المتسلطة على شعوبها في الشرق الأوسط

تقرير اعداد
فريق التحرير
ناشيونال إنترست
إذا أردنا أن نفسر تعنت إدارة “ترامب” مع إيران، قد ننظر إلى ذلك من منظور إدراك أن الجمهورية الإسلامية هي دولة ذات اقتصاد منهار وفوضى سياسية، وتفتقر كذلك إلى جيش تقليدي فعال، لذا فمن الواضح أنها لا يمكنها أن تشكل تهديدا خطيرا لأمريكا.
وعلاوة على ذلك، فقد طغى الحديث عن نفوذ إيران بشكل دراماتيكي على موضوعات مثل ترسانة (إسرائيل) النووية السريو، والإنفاق السخي على الجيش السعودي، والحروب الوحشية لقادة الإمارات العربية المتحدة. وكانت الاستجابة الواضحة للتهديدات الإيرانية – التي تتضاءل مقارنة بعدائية الرياض الطائشة – هي التعاون الإقليمي بين جيران طهران من أجل مواجهتها معا.
ويريد الرئيس “دونالد ترامب”، الذي لا يحب منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي أصبح الأوروبيون يعتمدون فيها بشكل محرج على أمريكا، يريد إنشاء حلف “ناتو” عربي جديد، أطلق عليه مؤقتا اسم “التحالف الاستراتيجي في الشرق الأوسط”. وسيكون العضو الأبرز في المنظمة هي المملكة العربية السعودية، وهي بلد أخرى انتقدها “ترامب”، حين كان مرشحا، لاستفادتها غير المشروطة من الولايات المتحدة.
وقد استغل وزير الخارجية “مايك بومبيو” آخر اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة لاستضافة الأعضاء المحتملين بالمنظمة، في حين قام نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الخليج العربي، “تيم لندرنينج”، بعبور منطقة الخليج للترويج لهذه الفكرة، وإذا سارت الأمور على ما يرام، فسيتم عرضها في قمة تستضيفها الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني.
وعلى الأقل، خدم الناتو الأصلي غرضا مفيدا. فلقد حطمت الحرب العالمية الثانية دول أوروبا الغربية، وبعدها حول الاتحاد السوفييتي دول وسط وشرق أوروبا إلى ولايات تابعة له. وكانت الهيمنة السوفيتية على أوراسيا، رغم أنها لم تكن كافية لتهديد استقلال أمريكا، قد مثلت للولايات المتحدة بيئة أمنية خطيرة لأعوام، إن لم يكن لعقود.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كان الأعضاء الأوروبيون في حلف “الناتو” قادرون على مواجهة روسيا أو أي خصم آخر مفترض، لكنهم استمروا في الاعتماد على العم سام، ورفضوا مناشداتٍ أكثر إحراجا من واشنطن بأن يقدموا المزيد، فلقد كانوا يعرفون أن المسؤولين الأمريكيين سيدافعون عن القارة العجوز، بغض النظر عن أي شيء.
وحتى البلدان التي تزعم أنها مهددة بشكل مباشر من قبل روسيا، مثل بولندا ودول البلطيق، فإنها لا تنفق اليوم سوى نحو 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على قواتها العسكرية؛ حيث تتوقع أن تهب الولايات المتحدة في اللحظة الأخيرة لتنقذهم إذا حدث الأسوأ. وقد ظهر أن حلف الناتو هو تحالف مبني في المقام الأول على التلقي بدلا من البذل. ولقد أثار الرئيس “ترامب” هذه النقطة مرارا وتكرارا، لكن مسؤوليه بذلوا قصارى جهدهم لتقويض جهوده.
الكثير من العوائق
وللأسف، فمن شأن حلف الناتو العربي المنتظر، أيا كان مسماه، أن يشهد العديد من العوائق أضعاف ما أظهره الناتو الأصلي.
أولا، وبحسب شروطها الخاصة، ستلتزم المنظمة المقترحة بحماية أعضائها. وقد أعلن متحدث باسم مجلس الأمن القومي أن الحلف “سيخدم كحصن ضد العدوان الإيراني والإرهاب والتطرف، وسيجلب الاستقرار إلى الشرق الأوسط”.
ومع ذلك، فقد سهلت جميع دول الخليج تقريبا تمويل الإرهاب على مر السنين. وقدمت المملكة العربية السعودية معظم الإرهابيين الذين شاركوا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وأنفقت نحو 100 مليار دولار في العقود الأخيرة لدعم الفكر الوهابي غير المتسامح، الذي يعمل بمثابة وقود للإرهاب. وقد شاركت الرياض وأبوظبي في زعزعة الاستقرار بنشاط في اليمن وليبيا وسوريا ولبنان، وخلافا لموقف واشنطن، تحافظ الكويت وعمان وقطر جميعها على علاقاتٍ مدنية مع طهران. وإذا أخذنا كل هذا في الاعتبار، فيبدو أن الإدارة ستورط الجميع في حرب ضد الجميع.
ثانيا، هناك القليل من الاتفاق على أي شيء بين الدول التي تتوقع منها واشنطن الانضمام إلى الحلف. وتريد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة السيطرة على جيرانهما، وتصممان على فرض أجندتهما من خلال الحرب، إذا لزم الأمر. ولقد شنوا غزوا مدمرا على اليمن، وضغطوا على جيرانهم لعزل الدوحة، بل وخططوا لغزو قطر، لكنهم منعهم من ذلك التدخل العسكري التركي والمعارضة الأمريكية.
وتعمل الكويت وعمان تقليديا كوسطاء بين جيرانهم الأكبر، وتواجه الأردن تحديات اقتصادية وسياسية محلية خطيرة، وفي البحرين، تركز الملكية السنية على قمع الأغلبية الشيعية. وتخضع مصر للرياض وأبوظبي بسبب المليارات التي أنفقتها الدولتان في دعم ديكتاتورية “السيسي”.
وقد أغضب الدور المستقل لدولة قطر السعودية والإمارات المتسلطة، خاصة وأنها سمحت بتغطية إعلامية لجرائمها، وكانت ملاذا لخصومهما السياسيين، حتى أن “ليندكينج” اعترف بأن النزاع داخل الخليج يشكل عقبة طويلة الأجل أمام فكرة التحالف الاستراتيجي.
كما لا يتفق أعضاء التحالف المفترضون على التهديد المفترض من قبل إيران، والذي تنوي إدارة “ترامب” أن تجعله أساس تركيز التحالف. ويؤكد “ليندكينج” بأن طهران هي “التهديد الأول” الذي يجب مواجهته. ومع ذلك، على الرغم من رغبة الرياض وأبوظبي في العمل ضد إيران، فإن أولويتهما هي الهيمنة الإقليمية، وليس الدفاع الوطني. وتنضم البحرين إلى التحالف على خلفية غضبها لأن طهران دعمت الأغلبية الشيعية ضد عائلة “آل خليفة” الحاكمة، وليس لأن إيران تهدد بالهجوم عليها. وكما ذكرنا سابقا، فإن الكويت وعمان وقطر يتعاملون مع طهران بشيء من التوازن. وتشترك قطر في أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم مع إيران، ولا تخاف مصر إيران، لكنها تفعل ما ينبغي للحصول على الأموال الخليجية، فيما يبدو الأردن أكثر قلقا بكثير حول مشاكله الداخلية أكثر من تهديد طهران.
دعوة للحرب
ولسوء الحظ، فإن تحالفا من هذه الدول لن يقوم إلا إذا قامت الولايات المتحدة بترهيب الأعضاء الآخرين لقبول السيطرة السعودية، الأمر الذي يهدد بسحبهم إلى صراعات متعددة تقوم بها الرياض لخدمة مصالحها الخاصة. لكن أكثر الأطراف عرضة للتلاعب هي واشنطن، التي يُتوقع منها أن تدعم السعوديين بغض النظر عن أفعالهم، مثلما فعلت في التدمير الإجرامي لليمن.
وفي الواقع، يعني الاعتماد على العائلة المالكة السعودية دعوة مفتوحة للحرب على مستوى المنطقة. فمع عدم الكفاءة، وانتشار الفساد، ستستغل السعودية والإمارات التحالف لتحقيق أهدافهما، وليس أهداف أمريكا أو غيرهما من الأعضاء الآخرين. وبوجود البحرين ومصر بالفعل في طابور المدينين، سيحاول السعوديون والإماراتيون استخدام التحالف المدعوم من قبل الولايات المتحدة للضغط على جيرانهم الأكثر اعتدالا في الخليج.
ثالثا، لم يعد الخليج العربي حيويا لأمريكا مثلما كان الحال خلال الحرب البادرة، حيث تضاعفت مصادر إمدادات الطاقة حول العالم، وبرزت أمريكا كأكبر منتج للطاقة في العالم. 
وغالبا ما تسهم التدخلات الأمريكية في مفاقمة مشاكل المنطقة. وفي الواقع، فإن واشنطن هي أكثر قوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط؛ حيث فجرت الأوضاع في العراق وليبيا، وحاولت الإطاحة بالحكومة السورية، ودفع لتغيير النظام في إيران، ودعم التدخل العسكري المتهور للنظام السعودي في اليمن وأماكن أخرى.
ويهتم بعض الأمريكيين بـ (إسرائيل) أكثر من اهتمامهم بإمدادات الطاقة الأمريكية أو الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، فإن حكومة الليكود الراديكالية تتلاعب أيضا بالولايات المتحدة، حيث تعد (إسرائيل) قوة عظمى إقليمية مسلحة نوويا، قادرة على الدفاع عن نفسها من جميع الطامعين. ويتمثل التهديد الرئيسي الوجودي الذي تواجهه (إسرائيل)، مثل جيرانها، في الشؤون الداخلية؛ حيث تسعى إلى تحجيم السكان العرب المتنامين في الوقت الذي تكتشف فيه أنه من المستحيل أن تكون دولة ديمقراطية ويهودية على حد سواء.
رابعا، فإن إيران ليست في وضع يسمح لها بالسيطرة على الشرق الأوسط. وتواجه إيران تحديات داخلية قاسية وتفتقر النخبة الحاكمة في البلاد إلى الشرعية، خاصة بين الشباب الذين ينظرون إلى الغرب في حين تعاني من اقتصاد معزول وضعيف وجيش لم يتعاف بعد من آثار الثورة التي أطاحت بالشاه.
وفي حين بلغت النفقات العسكرية لطهران نحو 16 مليار دولار العام الماضي، فقد أنفقت السعودية 77 مليار دولار، والإمارات 25 مليار دولار. لذا فالجمهورية الإسلامية ليست في وضع يسمح لها بشن هجوم صاروخي على جيرانها المباشرين، ناهيك عن دول بعيدة مثل مصر المسلحة جيدا.
السعودية الأكثر تهديدا
وتعد السعودية هي أكثر دول المنطقة إثارة للتهديد، حيث غزت جيرانها في اليمن، واستخدمت القوات العسكرية الوحشية ضد الأغلبية الشيعية في البحرين، ودعمت دكتاتورية “السيسي” القاتلة في مصر، وكذا الجهاديين المتطرفين في سوريا، وخطفت رئيس وزراء لبنان في سابقة خطيرة. وشاركت أبوظبي، التي تتمتع بجيش أكثر فعالية، في العديد من هذه التدخلات المدمرة، لذا فإن طهران تعد حملا وديعا إذا ما دخلت في مقارنة معهما.
وتعد إمبراطورية إيران المفترضة في العراق ولبنان وسوريا واليمن محض خيال. ولقد ساعدت إدارة “بوش” من تمكين النظام الإسلامي من خلال الإطاحة بـ “صدام حسين”، لكن رغم ذلك، فإن بغداد ليست دمية. وتتمتع طهران بنفوذ في لبنان عبر حزب الله، ولكن هدفها لا يتجاوز على الأرجح امتلاك ورقة ردع ضد (إسرائيل). ولم تهيمن طهران على اليمن، لكنها تساعد المتمردين الحوثيين في الغالب على صد السعوديين والإماراتيين. وكانت هذه المبادرات الخاصة بالسياسة الخارجية الإيرانية دفاعية إلى حد كبير.
وقد اعترف ولي العهد السعودي بأن “إيران ليست منافسة للسعودية. وأن جيشها ليس من بين الجيوش الـ 5 الأوائل في العالم الإسلامي، وأن الاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني، لذا فإن إيران بعيدة كل البعد عن أن تكون مساوية للمملكة العربية السعودية”. فلماذا تحتاج الرياض إذن إلى دعم الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها؟
ولا يمكن لحلف “الناتو العربي” أن يزود حكومات المنطقة بأي قدر من الشرعية السياسية. ولا يمكن لمجموعة من الأنظمة الفاسدة السلطوية، التي يقودها الحكم الاستبدادي في المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى دكتاتورية وحشية متفاخرة في مصر، أن تستهوي الشباب العربي الساخط.
وقد كان الشرق الأوسط مقبرة لتوقعات الولايات المتحدة، وحققت عقود من التدخل العسكري الأمريكي نتائج عكسية كارثية.
وقد دعمت واشنطن حرب الرياض وأبوظبي الوحشية في اليمن، ودعمت الديمقراطية الانتقائية التي همشت حقوق ملايين العرب في (إسرائيل)، الأمر الذي يشجع “الإرهاب العنيف” ضد الأمريكيين في الداخل والخارج.
إنه سجل كارثي لواشنطن. ومع ذلك، سيعزز التحالف الاستراتيجي الجديد استراتيجية واشنطن الفاشلة، ويجب على الولايات المتحدة أن تتراجع وتتخلى عن الشرق الأوسط. وبينما يتحول الشرق الأوسط إلى حمل ثقيل على أمريكا، فإن التحالف الجديد لا يبشر بأي نتائج إيجابية.
المصدر | دوغ باندو – ناشيونال إنترست

729 عدد المشاهدات