عندما أحبت أوروبا الإسلام When Europe Loved Islam

اعداد وترجمة 
فريق التحرير
في مقال لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، تحدثت الكاتبتان ماريا حنون وصوفي سبان عن تاريخ الإسلام والمسلمين في أوروبا، بالتحديد في أوروبا الغربية في دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا في بداية القرن العشرين. وألقى المقال الضوء على المعاملة الجيدة التي لاقاها المسلمون من حكومات الدول الأوروبية، وكيف وصلت العلاقة بين المسلمين والأوروبيين إلى ما هي عليه اليوم.
قبل أن تبدأ القارة بحظر الحجاب، اعتاد الأرستقراطيون الأوروبيون أن يغيروا أسماءهم إلى عبد الله و محمد، وكان الذهاب إلى المسجد المحلي يعتبر موضة ذاك الزمان.
من الخارج، مازالت المآذن العالية والقبة المنتفخة المشيّدة على الغرار المغولي لمسجد فيلمرسدورف، الذي يقع في شارع برينير في جنوب غرب برلين، تبدو تمامًا كما كانت عليه عندما تم بناء الجامع في عشرينيات القرن الماضي، ولكن مؤسسة المسجد الدينية، تغيّرت إلى حد كبير، تمامًا كما تغيرت جميع معالم المدينة من حولها.
يبدو المسجد اليوم مكانًا هادئًا، حيث أصبح أقرب إلى مركز للمعلومات، يذهب إليه أطفال المدارس بزيارات أحيانًا خلال الرحلات الميدانية، ويستضيف حفلات غداء مشتركة ما بين الأديان، كما يؤمه بانتظام مجتمع صغير من المسلمين لأداء صلاة الجمعة، ولكن هذا الواقع الحالي بعيد كل البعد عن تلك الأيام التي كان فيها مسجد فيلمرسدورف مركزًا فاعلًا لحركة الثقافة الروحية المضادة في جمهورية فايمار.
جذب المبشرون من الطائفة الأحمدية من منطقة البنجاب الهندية البريطانية الذين بنوا المسجد في العشرنيات، حشدًا متنوعًا إليه من برلين، حيث استضافوا المحاضرات التي طرحت أجوبة للأسئلة الفلسفية العميقة التي كانت معضلة وقتها، وشملت المواضيع التي تناولوها الفجوة المتوسعة بين الحياة والعقيدة، مستقبل أوروبا، ومستقبل البشرية جمعاء.
حضر الألمان من جميع الأعمار، والذين كانوا يصارعون ذواتهم في خضم خيبة أملهم العميقة من الحضارة المسيحية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، دروس المسجد، حيث كانوا يسعون للحصول على بديل ديني حديث وعقلاني وروحاني بذات الوقت، والكثير منهم تحولوا في نهاية المطاف إلى الدين الإسلامي.
يبدو هذا المشهد غريبًا إذا تخيلناه في ألمانيا اليوم، حيث يدعو حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني لفرض حظر على النقاب والمآذن، ويشير أكثر من نصف الألمان إلى أنهم يعتبرون الإسلام تهديدًا، ولكن في فترة ما بين الحربين، تفاخرت برلين بطبقة مثقفيها المسلمين المزدهرة والتي لا تضم المهاجرين والطلاب من جنوب آسيا والشرق الأوسط فحسب، وإنما طبقة الألمان المهتدين إلى الإسلام من كافة مناحي الحياة.
في ذلك الوقت، كان الإسلام يمثّل شكلًا من أشكال الثقافة الروحانية المضادة، بل حتى الدخيلة، لليساريين التقدميين، والألمان لم يكونوا استثناء من هذا النوع من الانفتاح وحتى الانبهار بالإسلام، حيث شهد أوائل القرن العشرين ظهور المجتمعات والمؤسسات الإسلامية الأولى في أوروبا الغربية، ومعها تحول أعضاء المجتمعات في بريطانيا وهولندا إلى الإسلام، إنها فترة منسية من التاريخ تقريبًا، ولكنها تبدو ذات أهمية خاصة اليوم، حيث تتسم العلاقة ما بين الإسلام وأوروبا بشكل متزايد بالقلق وأحيانًا بالعداء الصريح.
في خضم سعيهم  للحصول على بديل ديني حديث وعقلاني وروحاني، اهتدى الألمان إلى الإسلام بعد صراع ذواتهم جرّاء خيبة أملهم العميقة من الحضارة المسيحية في أعقاب الحرب العالمية الأولى
لا تزال مناقشات اليوم حول الإسلام في أوروبا، حتى الدقيقة منها التي تأخذ بعين الاعتبار العوامل الهيكلية التي تهمّش السكان المسلمين في القارة، تعالج الإسلام إلى حد كبير باعتباره ظاهرة جديدة، شائكة، ودخيلة على الحياة الثقافية والسياسية في أوروبا كما نعرفها، ولكن نظرة واحدة إلى الوراء في أوائل القرن العشرين، وتحديدًا إلى فترة ما بعد وصول الموجة الأولى من هجرات المسلمين إلى أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الأولى،  تبين لنا بأن العلاقة بين الإسلام وأوروبا كانت مختلفة للغاية عمّا هي عليه الآن، حيث كانت العلاقة تتسم بفضول المواطنين ومحاباة الحكومات.
ففي الوقت الذي كان فيه مواطنو أوروبا يختبرون الدين الشرقي الغريب على ثقافتهم، كانت الحكومات الأوروبية تقدم معاملة خاصة للمواطنين المسلمين وتخدمهم بطرق قد تبدو للوهلة الأولى مستغربة؛ فالحكومة الفرنسية العلمانية أنفقت ببذخ على بناء المساجد، في حين سعت ألمانيا لإثبات تفوّق حسن معاملتها للمسلمين بالمقارنة مع فرنسا وبريطانيا.
لا يعد هذا الماضي بمثابة تذكير بأن التقاء أوروبا مع المسلمين ليس حديثًا فحسب، بل يؤكد أيضًا على أن العلاقة بين غرب أوروبا والإسلام لم تكن دائمًا كما هي عليه اليوم، وقد لا تستمر دائمًا على وضعها الحالي في المستقبل.
يوضح أحد المهتدين إلى الإسلام، هوغو ماركوس، وهو فيلسوف يهودي مثلي الجنس، بأن الإسلام لم يكن موجودًا في أوروبا في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى فحسب، بل بالنسبة للبعض، لعب الإسلام دورًا حيويًا في المناقشات حول ما يجب أن يبدو عليه مستقبل القارة.
ساعد ماركوس، الذي ولد في عام 1880، في إدارة مسجد فيلمرسدورف، بعد أن انتقل إلى برلين لدراسة الفلسفة، حيث تحوّل إلى الإسلام عام 1925، بعد حضوره لدروس المهاجرين المسلمين الشباب من جنوبي آسيا، وحينها قام بتغيير اسمه إلى حميد.
كتب ماركوس مقالات للنشر في المسجد، عالج ضمنها أهم المواضيع التي تناولها أشهر فلاسفة ذاك العصر، كغوته ونيتشه وسبينوزا وكانط، موضحًا أن الإسلام كان عنصرًا ضروريًا في صياغة “الإنسان الحديث”، وهو اسم يستخدم لوصف المواطن المثالي المستقبلي، حيث كان “الإنسان الحديث” مفهومًا فلسفيًا رائجًا حينها تم تناوله من قِبل الجميع ابتداءًا من الاشتراكيين وحتى الفاشيين، وكان مفهومًا مركزيًا ضمن كل من التصورات السوفييتية والاشتراكية الوطنية، وبالنسبة لماركوس، كان الإسلام، وباعتباره الخاتمة السماوية لليهودية والمسيحية، العنصر المفقود في قلب “إنسان المستقبل”.
على المستوى الفردي، اهتدى إلى الإسلام في تلك الحقبة عدد من كبار الشخصيات الأوروبية الذين كانوا يبحثون عن فاصل للابتعاد عن تقاليد العالم الحديث
أدارت البعثة الأحمدية مسجدًا آخر في أوروبا الغربية، مسجد شاه جهان في ووكينغ/ انكلترا، حيث كُلِّف ببناء المسجد في عام 1889، المستشرق الأنجلو-هنغاري المتعدد اللغات غوتليب فيلهلم ايتنر، والذي لم يتحوّل إلى الإسلام وفقًا لمعظم الروايات، بل خدم كمترجم في حرب القرم وسافر على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولكن بعد وفاته، ونتيجة لعدم وجود من يشرف عليه، سقط مسجد شاه جهان بعد مرور 10 أعوام في غياهب النسيان.
بعد الحرب العالمية الأولى، اشترى المحامي الهندي المولد وأحد أعضاء البعثة الأحمدية، خواجة كمال الدين، المسجد، وقام بإعادة إحيائه، وحوّله إلى بعثة وكينغ؛ حيث استطاع المسجد الذي يقع على بعد 30 ميلًا إلى الجنوب من لندن، استقطاب المهتدين إلى الإسلام من الطبقة العليا والوسطى في بريطانيا الذي تشاطروا جميعًا عدم الرضى عن المسيحية والمجتمع الغربي الحديث، وكان أحد أكثر المهتدين شهرة في ذاك الوقت لورد هيدلي الإيرلندية.
اهتدى بارون هيدلي الخامس، الذي ولد باسم رولاند جورج ألانسون ألانسون وين، إلى الإسلام في عام 1913، وغيّر اسمه ليصبح الشيخ رحمة الله الفاروق، وحينها أصبح اللورد هيدلي أشهر المهتدين البريطانيين إلى الإسلام، ففي عشرينيات القرن المنصرم، ذهب إلى مكة لأداء فريضة الحج بتغطية إعلامية كبيرة، وكتب خلال حياته عددًا من الكتب والمقالات حول الإسلام، التي أوضح ضمنها ثقته بالمستقبل المجيد الذي سيتمتع به الإسلام في بريطانيا.
تاريخ المسلمين والإسلام في أوروبا الغربية هو أقدم وأكثر تشابكًا مما يعتقده الكثيرون
على المستوى الفردي، اهتدى إلى الإسلام في تلك الحقبة عدد من كبار الشخصيات الأوروبية الذين كانوا يبحثون عن فاصل للابتعاد عن تقاليد العالم الحديث حينئذ، ومنهم طبيب الأمراض الجلدية الهولندي، بيتر هنريكوس فان دير هوج، الذي أسس لشركة مستحضرات تجميل لا تزال تقدم خدماتها لنساء هولندا، والذي اهتدى إلى الإسلام خلال هذه الفترة، وذهب لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة، كما اهتدى هاري سانت جون فيلبي، ضابط المخابرات البريطانية ووالد كيم فيلبي، العميلة المزدوجة سيئة السمعة، إلى الإسلام خلال فترة معيشته في المملكة العربية السعودية في عام 1930، وغيّر اسمه إلى عبد الله، فضلًا عن الكاتب اليهودي ليوبولد فايس، الذي غيّر اسمه إلى محمد أسد، ويعد نجله، طلال أسد، أحد علماء الأنثروبولوجيا الأكثر تأثيرًا في عالمنا اليوم.
فضلًا عن ذلك، أظهرت الحكومات الأوروبية الغربية في أوائل القرن العشرين تسامحًا، وتحيزًا أحيانًا، لصالح الإسلام، قد يدهش القرّاء المعاصرين، رغم أن دوافعها كانت في كثير من الأحيان أكثر دهاءًا من دوافع اهتداء مواطنيها للإسلام؛ فخلال الحرب العالمية الأولى، اعتمدت فرنسا وبريطانيا على رعاياها في البلاد المستعمرة، الذين كان أغلبهم من المسلمين، للخدمة في ميادين القتال الأوروبية، وأظهرتا قدرًا كبيرًا من الاهتمام لتلبية احتياجات هذه القوات، حيث كان الأئمة مرتبطين بأفواج القتال، وحصل المسلمون ضمن تلك الجيوش على أطعمة حلال خاصة بهم، فبدلاً من لحم الخنزير والخمر، تم منحهم وجبات الكسكس ومشاريب القهوة والشاي بالنعناع، علمًا بأن أفواج اليهود التي كانت تخدم ضمن تلك الجيوش لم تحصل على مثل هذه المعاملة الخاصة، كما وبنت الحكومة الألمانية أول مسجد في البلاد في معسكر لأسرى الحرب في فونسدورف لاستيعاب الجنود المسلمين الأسرى بغية إظهار أن الألمان يعاملون المسلمين بطريقة أفضل من الفرنسيين أو البريطانيين، حيث كان الألمان يأملون أن يفضي ذلك إلى خلق اضطرابات بين السكان في مستعمرات بريطانيا وفرنسا التي تعج بالمسلمين.
في فترة ما بعد الحرب، أدى تركيز الحركات المناهضة للاستعمار المتزايد على الهوية الإسلامية إلى إثارة قلق الحكومات الأوروبية، حيث نشرت جنود مخابراتها في المقاهي الأوروبية التي كان يجتمع ضمنها المفكرون المسلمون، بما في ذلك شكيب أرسلان، أحد أشهر الإسلاميين في أوروبا ما بين الحربين العالميتين وهو جد السياسي اللبناني المعاصر وليد جنبلاط، حيث عمل أرسلان حينئذ على الترويج ما بين كافة المسلمين لرسالة المقاومة.
بالمقابل، عملت الحكومات الأوروبية على استمالة المسلمين من خلال قوة الإعلام الناعمة؛ ففي عام 1926، وبعد أكثر من عقدين من الزمن على تأكيد التزامها بالعلمانية في قانون عام 1905، اعتمدت الدولة الفرنسية على مجموعة متنوعة من الثغرات لتمويل بناء مسجد باريس الكبير، مما أثار غضب الكاثوليك في البلاد جرّاء المعاملة التفضيلية للدولة تجاه المسلمين.
ظاهريًا، تم بناء المسجد ليكون بمثابة عربون تحية للجنود المسلمين الذين قاتلوا لصالح فرنسا خلال الحرب؛ فعندما تم وضع حجر الأساس للمسجد في عام 1922، أعلن مسؤول بلدية باريس، بول فلوروت، بفخر بأنه عندما وجدت فرنسا نفسها في خطر في عام 1914، “لم يتردد المسلمون في تلبية نداء الوطن، وقدم العديد منهم حياتهم دفاعًا عن الحضارة”، وأضاف بأن المسجد كان عربون امتنان من فرنسا، ونصبًا تذكاريًا للجنود المسلمين الذين سقطوا خلال الدفاع عن البلاد.
في الواقع، يرى المؤرخون هذا المسجد اليوم كدليل على الدعاية الاستعمارية التي تهدف إلى إعطاء الزوار لمحة عن القوة الإمبراطورية الفرنسية في العالم الإسلامي، كون العمال الشمال أفريقيين في باريس يعيشون غالبًا في أماكن بعيدة للغاية عن المسجد، وأوقات الصلاة لا تتوافق مع جدول عملهم ضمن المصانع، كما أن الأسعار الباهظة للمطاعم في منطقة المسجد جعل ارتيادها أمرًا بالغ الصعوبة للجميع ما عدا حفنة من النخب الفرنسية والمغربية؛ والمسجد، الذي بني في الدائرة الخامسة، على الجانب الآخر من جادرين دو بلانتس، لا يزال قائمًا اليوم، ويؤمه السياح من جميع أنحاء العالم للتمتع بكوب من الشاي بالنعناع والبقلاوة في المقهى المجاور أو لشراء سجادة مغربية في محل بيع الهدايا بالقرب منه، ولاستنشاق بعض هواء الجو الشرقي في قلب باريس.
في عام 1935، خصت الدولة الفرنسية العلمانية مرة أخرى المسلمين بمرفق آخر، حيث شيّدت مستشفى في بوبيني، وهي مقاطعة صغيرة في شمال شرق باريس، مخصص حصرًا للمسلمين، وكان من المفترض أن يكون هذا المستشفى مثالًا على الالتزام بقيم الجمهورية بالمساواة من خلال توفير رعاية خاصة للمسلمين، حيث يقدم طعامًا حلالًا للمرضى، كما تم تصميمه من قِبل المهندسين المعماريين الفرنسيين بأسلوب العمارة “الشمال أفريقي”، فضلًا عن تزويده بقاعة صلاة ومقبرة إسلامية.
لم يكن تودد الأوروبيون وحكوماتهم للإسلام والمسلمين علامة على قبولهم في المجتمع، بل كان بأغلبيته نهجًا مدفوعًا بالتهديد المُتصور للمصالح الوطنية نابعًا من إمكانية التخريب السياسي التي يستبطنها الدين الإسلامي
ولكن في الوقت عينه، ساعد وجود هذا المشفى على إبقاء المسلمين بعيدًا عن عنابر المرضى العامة الباريسية، وتزامن ذلك مع إعراب المواطنين الفرنسيين عن مخاوفهم من احتمالية حمل العديد من العمال من شمال أفريقيا لأمراض تناسلية خطيرة، مما جعل هذا المشفى علامة على عنصرية الأوروبيين في كثير من الأحيان، كما قدم المستشفى مثالًا جيدًا على الإستراتيجية النموذجية التي انتهجتها الحكومة الاستعمارية في تلك الفترة، والتي تتمثل بتقديم الخدمات للسكان المسلمين بهدف استمالتهم وإبقائهم تحت سيطرة الدولة على حد سواء.
بعيد الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب ذاتها، تحوّلت جهود الدول الأوروبية للظفر بقبول المسلمين لتصبح ذات أهمية عظمى؛ فخلال هذه الفترة، ساعدت بريطانيا على تمويل بناء مسجدين في لندن، في حين حاول النازيون إقناع المسلمين، وخاصة في أوروبا الشرقية، للانضمام إلى حربهم ضد السوفييت، ولا سيّما في البلقان، شبه جزيرة القرم، والقوقاز، حيث قدم النازيون أنفسهم على أنهم حماة للإسلام، وركزت الدعاية التي تم بثها من خلال الإذاعات والنشرات الإعلامية على معادة البلشفية، معاداة اليهودية، ومعاداة الإمبريالية البريطانية، وأسفرت تلك الجهود عن تأسيس كتائب للمسلمين ضمن الجيش الألماني، ولكن العديد من هؤلاء الجنود انخرطوا بالحرب لاعتبارات اقتصادية لا تنبع من أي قيم أيديولوجية.
تكمن المفارقة هنا، بأن هذه الفترة التي شهدت تودد الأوروبيين وحكوماتهم للإسلام والمسلمين، كانت تُنبئ بما سيضحي عليه حال معاملة الإسلام في أوروبا الغربية اليوم؛ فالاهتمام الخاص المولى للمسلمين، لم يكن علامة على قبولهم في المجتمع، بل كان بأغلبيته نهجًا مدفوعًا بالتهديد المُتصور للمصالح الوطنية والنابعة من إمكانية التخريب السياسي التي يستبطنها الدين الإسلامي، وهذا الدافع لا يختلف كثيرًا عن الفكر الذي يقف خلف تنظيم برامج ترعاها الدولة لتدريب الأئمة المسلمين، التي ظهرت في بريطانيا وهولندا في السنوات الأخيرة.
مع مرور الوقت، تركت المعركة ندباتها على مسجد فيلمرسدورف ببرلين؛ ففي المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، تم تحويل المسجد لساحة معركة، فأثناء الغزو الروسي لبرلين، حفرت القوات النازية الخنادق في حدائق المسجد الهادئة، وأطلق الجنود الألمان النار على جنود العدو من مآذنه العالية، وفي خضم القتال، تدمرت مآذن الجامع وأصيب هيكله بأضرار جسيمة، وعلى الرغم من إعادة الإعمار التي خضع لها، إلا أنه لم يعد إلى مجده السابق، واليوم يقتصر حضور المسجد في معظمها على أداء صلاة الجمعة، ولم يعد تاريخه العريق معروفًا إلا لعدد قليل من الأشخاص.
في العقود الحافلة بالأحداث في أعقاب الحرب، تلاشت الفترة القصيرة التي شهدت اعتناق بعض الأوروبيين للإسلام إلى غياهب النسيان، ربما لأن التدفق الأخير والكبير للعمال المسلمين في ستينيات وسبعينيات القرن السابق جعل المسلمين أقلية واضحة على نحو متزايد في هذه البلدان، بدلًا من كونها نسبة ضئيلة من السكان، مما أسفر عن إثارة واطراد التوترات، أو ربما لأن الأحداث التي ميّزت العلاقة ما بين المجتمع الغربي والشرق الأوسط  منذ حوادث سبتمبر طغت على تاريخ علاقة الغرب مع المسلمين.
ولكن مع ذلك، فإن استطلاعنا للتاريخ هو أمر مهم لفهم الجيد والسيئ والقبيح فيما يتعلق بالتاريخ الغني والمعقد للإسلام في أوروبا الغربية؛ فإذا كانت الحكومات الغربية، وفي خضم حماستها لاستمالة السكان المسلمين، قد خصتهم بميزات معينة، إلا أنها ساعدت، بطريقة أو بأخرى، على إرساء أسس مفهوم “الاختلاف” الذي تشعر به أوروبا تجاه الإسلام اليوم، وهنا يقدم لنا مسجد فيلمرسدورف رؤية بديلة تدلل على الزمن الذي لم يقترن فيه الإسلام في أذهان الأوروبيين بالقمع ومعاداة الفكر والتهديد؛ فتخيلنا للمحاضرات التي أُلقيت غير مرة في ووكينغ وفيلمرسدورف وجمهورها المتنوع، يتيح لنا أن نتصور وجود علاقة بين أوروبا والإسلام تتسم بالحوارية والسلاسة.

تاريخ المسلمين والإسلام في أوروبا الغربية هو أقدم وأكثر تشابكًا مما يعتقده الكثيرون، والاعتراف بذلك يساعدنا على تصور مستقبل يُنظر ضمنه إلى المسلمين باعتبارهم جزءًا متساويًا ولا يتجزأ من الحياة العامة الأوروبية، بدلًا من اعتبارهم غرباء أو تهديدات مستمرة على القيم والحياة الأوروبية.
Before the continent started banning hijab, European aristocrats used to change their names to Abdullah and Muhammad, and going to the local mosque was the latest trend.
rom the outside, with its high minarets and bulbous Mughal-style dome, the Wilmersdorf mosque, located on Brienner Street in southwest Berlin, looks much the same as it did when it was built in the 1920s. But the institution, just like the city around it, has changed.
Today, the mosque is a quiet place. It mainly serves as an information center: School children sometimes visit on field trips; it hosts interfaith brunches. A small community of Muslims regularly show up for Friday prayer. It’s all a far cry from the days when the Wilmersdorf mosque was the lively center of a spiritual countercultural movement in the Weimar Republic.
The Ahmadiyya missionaries from British India’s Punjab region who built the mosque attracted a varied crowd in 1920s Berlin, hosting lectures that tapped into the philosophical questions of the day. Topics included the growing gap between life and doctrine; the future of Europe; and the future of humanity as a whole. Germans of all ages, wrestling with their profound disillusionment in Christian civilization in the wake of World War I and seeking a religious alternative that was modern and rational, as well as spiritual, attended these lectures, and many of them ultimately converted to Islam.
It’s an odd scene to imagine in today’s Germany, where the right-wing Alternative for Germany party has called for a ban on burqas and minarets, and more than half of Germans say they view Islam as a threat. But in the interwar period, Berlin boasted a thriving Muslim intelligentsia comprising not only immigrants and students from South Asia and the Middle East but German converts from all walks of life. Islam, at the time, represented a countercultural, even exotic, form of spirituality for forward-thinking leftists: Think Buddhism, in 1970s California.
Germans were no exception in displaying this kind of openness and even fascination with Islam. The early 20th century saw the emergence of the first Muslim communities and institutions in Western Europe and, with them, came converts in Britain and the Netherlands, as well. It’s a virtually forgotten period of history — but one of particular relevance today, as the relationship between Islam and Europe is increasingly marked by wariness and at times outright hostility.
Even the more nuanced discussions about Islam in Europe — those that take into account the structural factors that have marginalized the continent’s Muslim populations — still, for the most part, treat the presence of the religion as a new and thorny phenomenon, something foreign to European cultural and political life as we know it. But a look back at the early 20th century — primarily the period after the first wave of Muslim immigration to Europe in the wake of World War I — shows that not so long ago Western Europe and Islam had a very different relationship, one characterized by curiosity on the part of citizens and almost a sort of favoritism on the part of governments. At the same time that European citizens were experimenting with an exotic eastern religion, European governments were providing special treatment for Muslim citizens and catering to them in ways that might at first glance seem surprising: The secular French government spent lavishly on ostentatious mosques, while Germany sought to demonstrate its superior treatment of Muslims, when compared to France and Britain. Examining this past serves as a reminder that not only is this not a new encounter, but the relationship between Western Europe and Islam was not always what it is today and may not always look this way in the future.
Converts like Hugo Marcus, a gay Jewish philosopher, show Islam wasn’t just present in Europe in the years after World War I — for some, it played a vital role in discussions about what the continent’s future should look like. Marcus, who helped run the Wilmersdorf mosque, was born in 1880 and moved to Berlin to study philosophy. He converted in 1925, after tutoring young South Asian Muslim immigrants. Adopting the Muslim name Hamid, Marcus wrote articles for the mosque’s publication, Moslemische Revue, in which he engaged with the philosophers popular at the time — Goethe, Nietzsche, Spinoza, and Kant — to argue that Islam was a necessary component in crafting the “New Man.” Used to describe an ideal future citizen, the “New Man” was a trendy philosophical concept taken up by everyone from the socialists to the fascists and was central to both Soviet and National Socialist imagery. For Marcus, Islam, as the monotheistic successor to Judaism and Christianity, was the missing component at the heart of this “man of the future.”
The Ahmadiyya mission also managed another mosque in Western Europe — the Shah Jahan Mosque in Woking, England. The mosque was commissioned in 1889, by Gottlieb Wilhelm Leitner, a polyglot Anglo-Hungarian Orientalist who was, by most accounts, not a convert but had served as an interpreter in the Crimean War and travelled widely throughout the Muslim world. With no one to oversee its operations after the death of its eccentric founder 10 years later, the building fell into disuse. But just before World War I, Indian-born barrister and Ahmadiyya missionary Khwaja Kamaluddin took over the property, revived it, and transformed it into the Woking mission. The mosque, located just 30 miles south of London, successfully nabbed converts from among Britain’s Downton Abbey-era upper and middle classes and others who shared in their dissatisfaction with Christianity and modern Western society. One of the more legendary converts of the time was the Irish peer Lord Headley. Born Rowland George Allanson Allanson-Winn, the 5th Baron Headley converted to Islam in 1913, adopting the Muslim name
Shaikh Rahmatullah al-Farooq.
Born Rowland George Allanson Allanson-Winn, the 5th Baron Headley converted to Islam in 1913, adopting the Muslim name Shaikh Rahmatullah al-Farooq.
Lord Headley became a poster child, of sorts, for British Muslim converts; in the 1920s, he went on a widely published pilgrimage to Mecca and would, in his life, write a number of books and articles on Islam, which he was certain would have a glorious future in Britain.
Born Rowland George Allanson Allanson-Winn, the 5th Baron Headley converted to Islam in 1913, adopting the Muslim name Shaikh Rahmatullah al-Farooq.
It seems clear that, on an individual level, Islam won over some Europeans looking for a break from tradition in the modern world. Pieter Henricus van der Hoog, a Dutch dermatologist who founded a cosmetics company that still provides women in the Netherlands with face creams and firming masks today, converted during this period and went on pilgrimage to Mecca. Harry St. John Philby, a British intelligence officer and father of Kim Philby, the infamous double agent, converted when living in Saudi Arabia in 1930 and went by Abdullah. Another convert from this period, the Jewish writer Leopold Weiss, adopted the name Muhammad Asad; his son, Talal Asad, is one of the most influential anthropologists alive today.
But Western European governments in the early 20th century also demonstrated a tolerance and even a partiality toward Islam that might surprise contemporary readers — though their motivations were often more cynical than those of their citizens.
During World War I, France and Britain relied on their colonial subjects — many of whom were Muslim — to serve on European battlefields, and so they paid a great deal of attention to the needs of these troops. Imams were attached to regiments, and Muslims in the armies received special halal provisions: Instead of pork and wine, they were given couscous, coffee, and mint tea. (Jewish regiments, on the other hand, received no such special treatment.) On the German side, the country’s first mosque was built in a prisoner of war camp in Wünsdorf to accommodate captured Muslim soldiers and demonstrate to them how much better Germans treated them than the French or British. The result, they hoped, would create unrest among Muslim populations in the colonies of Germany’s two rivals.
Trending
In the postwar period, anticolonial movements’ increasing emphasis on Islamic identity made those same European governments increasingly anxious. Secret services were dispatched to the coffee shops of the continent, where Muslim intellectuals — including Shakib Arslan, one of the most important pan-Islamists in interwar Europe, who was based in Geneva and is the grandfather of contemporary Lebanese politician Walid Jumblatt — had started to tout a pan-Islamic message of resistance.
But European governments also tried to win over Muslims through the soft power of propaganda. In 1926, more than two decades after affirming its commitment to secularism, or laïcité, in a 1905 law, the French state relied on a variety of loopholes to finance the construction of the Grande Mosquée de Paris — an act that left many of the nation’s Catholics outraged at the state’s preferential treatment toward Muslims. Ostensibly, the mosque was to serve as a tribute to the Muslim soldiers who had fought for France during the war: When the foundation stone was laid in 1922, Parisian municipality official Paul Fleurot proudly declared that when France had found itself in danger in 1914, its Muslims in Africa did not hesitate to come to its defense: Muslims, he said, “were not the last to answer the call of the fatherland in danger.… Many gave their lives in defense of civilization.” He added that the mosque was an expression of France’s gratitude, a commemorative memorial for the Muslim soldiers who fell on the country’s behalf.
In fact, historians now see the mosque as a piece of colonialist propaganda, meant to give rich visitors a taste of French imperial might in the Muslim world. North African workers in Paris lived far from the mosque, and its prayer times did not accommodate their factory schedules; the high prices of the bathhouse and restaurant made it unaffordable for all but a handful of French and Moroccan elites. The mosque, built in the fifth arrondissement, across from the Jardin des Plantes, still survives today; tourists from all over the world come to enjoy a cup of mint tea and baklava in the café or purchase a Moroccan rug in the gift shop, inhaling some “eastern atmosphere” in the heart of Paris.
In 1935, the secular French state again singled out its Muslim subjects, building a hospital in Bobigny, a small commune in northeast Paris, that was exclusively for Muslim use. This hospital was supposedly erected to uphold the republican value of equality by providing special care for Muslims: Patients were provided halal food, and the building itself, designed by French architects in what they saw as a “North African” style, was equipped with prayer halls and a Muslim cemetery. At the same time, the hospital also kept Muslims out of Parisian public wards, at a time when French citizens expressed concerns that North African workers might carry dangerous venereal diseases — a sign that, for all their unexpected curiosity about Islam, Europeans were also often racist. The hospital serves as a good example of a colonial government strategy typical for the period: provide services to Muslim residents both to help win their favor and to bring them under the control of the state.
In the buildup to World War II, and during the war itself, efforts of states to win the favor of Muslims took on new urgency. During this period, Britain helped finance two mosques in London, while the Nazis attempted to convince Muslims, especially in Eastern Europe, to join their fight against the Soviets. Particularly in the Balkans, Crimea, and the Caucasus, the Nazis presented themselves as the protectors of Islam. Propaganda disseminated through radio and leaflets focused on anti-bolshevism, anti-Judaism, and anti-British imperialism. (Muslim legions in the German army were created, but many of the soldiers who signed up did so for the better conditions rather than out of ideological considerations.) 
This period — in which Europeans and their governments courted Muslims and Islam — ironically foreshadows the treatment of Islam in Western Europe today: Special attention to Muslims, rather than a sign of acceptance, was often driven by a perceived threat to national interests stemming from the religion’s politically subversive potential. This impulse is not so different than the thinking behind state-sponsored Imam-training programs that have cropped up in Britain and the Netherlands in recent years.
The scars of battle and the passage of time have left their mark on Berlin’s Wilmersdorf mosque. In the final stages of World War II, it was transformed into a battlefield when, during the Russian invasion of Berlin, Nazi troops dug trenches in its tranquil gardens and fired upon enemy soldiers from its high minarets. During the fighting, one of the minarets was all but destroyed, and the mosque was seriously damaged. Though it has since been reconstructed, the mosque has never quite returned to its former glory. Today, its attendance, while steady, is mostly limited to Friday prayers, and its storied history is known to few.
In the eventful decades following the war, this brief period — when some Europeans embraced Islam — has also faded from memory. Just why isn’t clear: perhaps because the recent and larger influx of Muslim workers in the 1960s and 1970s made Muslims an increasingly visible minority in these countries, rather than a tiny fraction of the population, and brought with it increased tensions. Or perhaps because, since 9/11, the events that have marked the relationship between Western society and the Middle East have often overshadowed its history.
Nevertheless, looking back is important for understanding the good, the bad, and the ugly when it comes to the rich and complex history of Islam in Western Europe. If governments, in their zeal to win over Muslim populations, singled them out in ways that may have helped lay the groundwork for the sense of “otherness” Europe feels toward Islam today, the Wilmersdorf mosque represents an alternative vision, a nod to a time when Islam did not, in European minds, come with repressive, anti-intellectual, or threatening associations. Imagining the lectures once held at Woking and Wilmersdorf and their varied audiences — by some accounts, German novelist Thomas Mann attended once — allows us to envision a relationship between Europe and Islam characterized by dialogue and fluidity.
The history of Muslims and Islam in Western Europe is both older and more entangled than many think, and acknowledging this helps us imagine a future in which Muslims can be seen as an integral and equal part of European public life, rather than timeless or threatening outsiders.
Marya Hannun is a Ph.D. student in Arabic and Islamic studies at Georgetown University. Follow her on Twitter at: @mrhannun.
Sophie Spaan is a Ph.D. student at Utrecht University (NL). This article is based on her dissertation research on religious experience and identity of Muslims in interwar Western Europe, part of a project on Muslims in interwar Europe funded by the European Research Council. Follow her on Twitter @SophieSpaan.

المصدر: فورين بوليسي

7,999 عدد المشاهدات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *