مُنَقَّبَةٌ و مسيحىٌّ ليلة رأس السنة

من روائع الخبير السياسى والقانونى
المستشار عماد ابو هاشم
كان يومًا مجهدًا من أيام العمل في إحدى نيابات محافظات القناة ، مضى ذلك اليوم في تحقيقاتٍ متواصلةٍ من الصباح حتى المساء ، و ما إن أمرتُ بإقفال محضر التحقيق حتى بادرتُ بالذهاب إلى غرفتى باستراحة النيابة و استبدلتُ ملابس النوم بملابسى الرسمية التي أثقلتنى طيلة اليوم و شرعتُ في تناول و جبةٍ ساخنةٍ ثم تمددتُ على الفراش أقرأ كتابًا ـ كعادتى ـ على إضاءة مصباح المكتب الخافتة .
كان انتهاز أية فرصةٍ سانحةٍ للنوم أمرًا أضعُه على رأس قائمة أولوياتى ، فربما يقرع بابى فى ساعات الليل المتأخرة ما يحملنى على النهوض حتى الصباح ، و لم يكن باستطاعتى أن أتكهن بما ينتظرنى من عملٍ صبيحة اليوم التالى أو بالمكان الذى أباشر فيه تحقيقاتى إن كان فى مشرحةٍ أو بين أسرة المصابين بإحدى المستشفيات أو في رمال الصحراء أو بين الحقول و الزراعات ، و لم يكن تحديد الوقت الذى قد يستغرقه ذلك العمل أمرًا خاضعًا لقواعد الحساب و لاسيما أن العمل بالنيابة العامة غير محددٍ بمواعيد حضورٍ و انصرافٍ كسائر الوظائف الحكومية الأخرى .
كان الطَرْق على باب الغرفة بمثابة القدر المحتوم الذى لم ينفك عن كاهلى حتى بعد انتقالى للعمل بالنيابة الكلية في الرقابة و المراجعة على أعمال النيابات الجزئية ، فلم يكن يخلو الأمر من انتدابى للتحقيق في قضيةٍ أو أخرى من القضايا الهامة أو الحساسة ، و كنت دائمًا ما أتحسب أن يطرق بابى طارقٌ في ليلةٍ كتلك الليلة إلا أن الطارق غالبًا ما يكون على موعدٍ مع شعورى بالإنهاك و التعب .
استغرقتُ ـ ليلتها ـ في نومٍ عميقٍ ، وها هو الطارق لم يخلف موعده مع الباب ، و من فرط سكرة النوم ظننتُ أننى أحلم فاستدرتُ على جنبى الآخر مستعيذًا بالله من الشيطان الرجيم ، لكن الطَرْق قد استمر و لابَسَه نداء أحد الزملاء يستأذن في الدخول .
فاجأنى ذلك الزميل ـ من قبل ـ في ليلةٍ كليلتى هذى حين أخذ يطرق البابَ و هو يستصرخنى أن أُسرِع بارتداء ملابسى قائلًا : إن المحامى العام ينتظرك على سماعة التليفون بالمكتب لأمرٍ هام لم يأمن أحدًا من الحجاب و الحرس على إبلاغك به فأرسلنى إليك ، كان ذلك الأمر هو انتدابى للتحقيق في إحدى القضايا الحساسة التي كان يباشرها أحد الزملاء في إحدى النيابات الجزئية و التي استلزمت انتفالى للتحقيق في أحد أقسام الشرطة التابعة لدائرة اختصاصنا ، و هكذا ضاعت تلك الليلة في خضم إجراءات تحقيقٍ مضنٍ .

أفقتُ متثاقلًا ، و أدخلتُ الزميل الغرفةَ ، و للوهلة الأولى أدركتُ من ملامح وجهه العابس المكفهر و نظراته الزائغة المشتتة أن وراءه أمرًا ليس بالسعيد ، بادرنى القول ألا أقلق فلقد جاء يستشيرنى في أمرٍ وقع الليلة جعله و زملاءه في النيابة في حيرةٍ من أمرهم ، و كانت ليلتها هي ليلة رأس السنة الميلادية .
ـ ماذا حدث ؟
ـ عُرِضَتْ علينا ـ اليوم ـ قضية زنا .
ـ و ما الغريب في ذلك ؟
ـ المتهمة منقبةٌ و شريكها في الجريمة شابٌ مسيحى .
ـ و لْيَكُنْ ، فالجريمة هي الجريمة و الإثم هو الإثم .
ـ إنها تكبره بأعوامٍ و لديها أبناءٌ و بناتٌ في سن الزواج .
ـ لقد مرت علينا أمثلةٌ لوقائع أشد فحشًا من ذلك ، الأفضل أن تحكى لى بالتفصيل لأرى ما الأمر
الليلةَ و أثناءَ غياب زوج المتهمة اتصل الجيران بشقيقها بعد أن ضاقوا ذرعًا بتردد المتهم عليها حال غياب زوجها ، فأقبل على الفور و طرق الباب عليها فأدخلته و معه نفرٌ من جيرانها ، و بالطبع استفسر منها عمَ إذا كان برفقتها أحدٌ ، فأجابته : إن بضيافتها إحدى صديقاتها مشيرةً إلى الغرفة التي تجلس بها ، فطلب منها إخراجها إليه ، فإذا بها امرأة تضع النقاب و تأبى أن تنصاع لما يطلبه من الكشف عن وجهها ، و بعد إلحاحٍ منه اقترح أحد الجيران أن يكلف زوجته باستكشاف أمر هذه المرأة في مكانٍ مستورٍ ، و ما هي إلا لحظاتٌ حتى علت صراخات زوجة الجار تخبر أن الماثلة أمامها رجلٌ لا امرأة ، كاد الجيران أن يفتكوا به لولا حضور الشرطة في الوقت المناسب ، بل كاد الحدث أن يودى إلى فتنةٍ طائفيةٍ بين المسلمين و المسيحيين .
ـ ما زلتُ لا أرى ما يجعلك بهذا الضيق و الوجوم .
ـ الأمر محيرٌ فالمتهم العاشق لا تحمل ملامحه شيئًا من الوسامة التي تُرغِّبُ أي امراةٍ فيه .
ـ إنها مسألة أذواق .
ـ لقد رأيتُ زوجها ، إنه رحلٌ وسيمٌ بمعنى الكلمة .
ـ الوسامة ليست كل شئٍ فربما هناك ما يَخْفَى عنك .
ـ لقد سألتها أنا و باقى الزملاء عن ذلك
ـ و ماذا قالت ؟
ـ قالت : إن بعلها رجلٌ يتسم بالصحة و الفحولة و يوفيها حق الزوجة على زوجها على أكمل وجهٍ .
ـ ربما يسيئُ معاملتها ، أو ربما كان رجلًا بخيلًا .
ـ أخبرتنا : إنه رجلٌ متدينٌ طيب الخصال ودودٌ كريم .
ـ ربما تكون هي من أولئك الذين في قلوبهم مرضٌ .
ـ إنها امرأةٌ متدينةٌ من أسرةٍ ملتزمةٍ فضلًا عن أنها تتطوع لتحفيظ الفتيات القرآن و تعليمهن الدين بأحد المساجد ، و لم يرَ أو يسمع أحدٌ عنها ما يشين أو يحط من قدرها .
ـ هل كانت تدلى لكم باعترافاتها بهذه البساطة ؟
ـ نعم ، فهى مازالت تحت تأثير صدمة ضبطها حال تلبسها بالزنا .
ـ أعلم جيدًا كنه هذه الحالة التي يكون فيها المتهم تحت تأثير الصدمة .
ـ تصور أن أحد الزملاء سألها : أيهما أكثر فحولةً من الآخر زوحها أم عشيقها ؟
ـ بماذا أجابت ؟
ـ قالت بكل ثقةٍ : إن زوحها هو الأكثر فحولةً و وسامةً من الآخر .
ـ بالطبع انصبت أسئلتكم على المسائل النفسية لا القانونية .
ـ لقد سألناها عن سبب فعلتها تلك فأقرت بأنها لا تعرف السبب و أن ـ فقط ـ كل ما تعرفه هو أن عشيقها كان يعاملها بحنان .
ـ و هل كانت تفتقر إلى الحنان مع زوجها ؟
، كلا البتة ، لقد أقرت لنا بأن زوجها كان يغدق عليها من حنانه و عطفه و محبته ، أتظن أن العشيق صنع سحرًا لها ؟
ـ أتظن أنت أن السحرة يمتلكون سلطانًا على الأنفس النقية الطاهرة ؟ إن سلطانهم يقتصر ـ فقط ـ على الأنفس الضعيفة المدنسة .
ـ هل اعترفت بالتحقيقات أنها اقترفت إثم جريمتها ؟
ـ كلا ، إنها اعترفت أمامنا ـ فقط ـ وديًّا ، لكنها أنكرت بالتحقيقات الرسمية .
ـ و بالطبع أنت الذى أشرت عليها بالإنكار و ربما كنت تطرح عليها الأسئلة التي تستجوبها بها و تجيب بنفسك عليها بدلًا منها .
ابتسم الزميل ، فتذكرت يوم أن اتصل بى ـ هاتفيًّا ـ رئيس النيابة و أنا بباب المحكمة متأهبًا للخروج لقضاء أجازتى الأسبوعية و طلب منى العودة لاستكمال تحقيقٍ كان يباشره ذلك الزميل ، فحاولتُ ـ جاهدًا ـ إقناعه بأن الواقعة محل التحقيق لا تستدعى ذلك ، و أشرت عليه أن يدع الزميل المحقق يكمل ما بدأه من تحقيقٍ و يتركنى و شأنى ، فأخبرنى بورود معلوماتٍ له تؤكد أن الزميل يبدى تعاطفًا شديدًا تجاه المتهم و أنه ربما يفقد حياد المحقق في استجوابه له ، و بسبب ذلك أضاع علىَّ يومًا كان يشكل نصف مدة أجازتى .
لقد كنتُ و لازلتُ مولعًا بعلم الإجرام و العقاب و بعلم النفس ، و أستطيع أن أعْزِىَ حالة الإرباك و الشتات التي عانى منها الزملاء إلى ما يعرف بعدوى الإحساس ، ففي الأحوال التي يتعرض فيها الإنسان إلى أحداثٍ صادمةٍ تتولد في نفسه ـ نتيجة الصدمة التي تعرض لها ـ مشاعر قويةٌ يعمل هو كجهاز الإرسال في بثها إلى نفوس الآخرين ، و لاسيما إذا كانوا ـ من وقع الصدمة التي مربها ذلك الشخص ـ يبدون الفضول لاستكشاف حقيقة ما حدث له فيكونون أشبه بأجهزة استقبالٍ تعمل على تمرير تلك المشاعر إلى نفوسهم من خلال اللاوعى الخاص بكل واحدٍ منهم ، لكنها حالةٌ مؤقتةٌ تنتهى بزوال المؤثر ، لقد كنتُ أدرب نفسى على الفِكاك من تلك التأثيرات لكى أتمكن من سبر أغوار الحقيقة بحيادٍ تام .
ـ لكن لماذا كل هذه الحيرة ، لقد انتهى الأمر؟
ـ كلا لم ينتهِ بعد .
ـ لماذا ؟
ـ لقد أشرتُ على المتهمة بالإنكار كما قلتَ ، ليس هذا فحسب ، بل إننى أقنعت زوجها ببراءتها و بأن الأمر لا يعدو إلا أن يكون لبسًا أظهر الوقائع على غير حقيقتها فأمسك بها الرجل و لم يطلقها ثقةً في كلامى ؟ فماذا ترى ؟ أأصبتُ أم أخطأتُ ؟
أخطأتَ بالطيع .
ـ لماذا ؟
ـ أخطأتَ حين أشرتَ على متهمةٍ معترفةٍ بجريمتها أن تلوذ بالإنكار و أنت الأمين على الدعوى العمومية ، و أخطأتَ حين أدخلت الكذب و التدليس على زوجها فصدقك و أمسك بها ـ و هي آثمةٌ ـ ثقةً منه في كلامك .
ـ و ماذا عن ستر عورات المسلمين ؟
ـ لستَ مطالبًا بالستر على امرأةٍ فضحها الله و أنت ولى الأمر المكلف بإقامة الشرع و تطبيق القانون و أقسمتَ بالله على هذا ، لستَ أرحم بها من الرحمن و قد فضحها ، ثم إنك كذبت على زوجها فأبقى على معاشرتها ، و ما كان ليفعل ذلك لو علم حقيقة الأمر .
ـ سأستفتى شيخًا عالمًا بالدين .
ـ أخبرنى بما سيفتيك به .
ـ نعم ، إن شاء الله ، لكن هل سمعتَ عن القاضى غريب الأطوار صاحب الشخصية المخصية ؟
ـ هل هذا لغز ؟ لم أسمع عنه بعد ، فلتحكى لى عنه المرة القادمة إن شاء الله .
انصرف الزميل ، و عاودتُ الاستلقاء على الفراش طلبًا للنوم ، و بينما أنا كذلك تذكرتُ يومًا كنت أباشر فيه تحقيقًا طال به الوقت حتى أصابنى شئٌ من الفتور فأردت أن أسَرِّىَ عن نفسى فتركتُ مكتبى و ذهبتُ إلى مكتب أحد الزملاء و كانت تجلس قبالته سيدةٌ تبدو عليها سمات الحشمة و الوقار فسلمتُ عليه و عدت إلى مكتبى ثانيةً لاستكمال عملى .
و بعد برهةٍ دلف الزميل إلى مكتبى فلعله ـ أيضًا ـ أراد أن يطرح عنه إحساسًا أصابه بالملل ، فسألتُه : من تلك التي تجلس بمكتبك ؟ أجابنى باستغرابِ : كيف لا تعرفها و أنت من قام بتوزيع المحاضر الواردة إلى النيابة علينا ؟ فقلتُ : قرأتُ المحاضر و لم أرَ و جوه المتهمين بها ، فما تهمتها ؟ ضُبطت حال سفرها إلى إحدى الدول الخليجية و هي تحمل جواز سفرٍ زورت به تأشيرة زوجها المِحرِم المرافق لها و هو ليس بزوجها ، بالطبع عرفتُ الدافع لارتكاب جريمتها لكننى آثرتُ أن أستوضح الزميل : بماذا عللتْ لك ذلك ؟ في الحقيقة لقد أنكرت علمها بالواقعة في التحقيقات ، لكنها …. فاستكملتُ عبارة الزميل : … لكنها أقرت لك بشكلٍ ودىٍ : إنها كانت ترمى من وراء ذلك أن تمارس الدعارة بالدولة التي تقصدها ، أومأ برأسه مبتسمًا فقلتُ مازحًا : تسألون عن أشياء إن تبدَ لكم تسؤكم .
لقد كنتُ حريصًا فى عملى ألا أنخدع بالمظاهر الكاذبة التي يضفيها المتهم أو الشاهد على نفسه ، أو بالأحرى كنتُ أحرص على ألا أسمح للإيحاءات التي تخلقها تلك المظاهر أن تتوغل إلى داخل نفسى فتحجب عنى الانطباعات الحقيقية التي تتكشف من أعماق اللاشعور القابع خلفها و التي تتبدى فى سلوك الشخص و تصرفاته و أسلوب حديثه و مفردات كلامه و نظراته و إشاراته و تعبيراته و حركات عينيه و نظراته و غير ذلك من حركاته و سكناته ، و الأهم من ذلك كله كنت أحاول ـ جهدى ـ أن أصغى للصوت الداخلى الذى يأتينى من أعماق نقسى لينبأنى بما يتعذر قراءته في الأوراق و المستندات ، فالنفس الإنسانية هي أكبر لغزٍ فى الوجود بل إنها ملخص هذا الوجود ، و لا يمكن إدراك كنهها إلا من خلال قراءة مفردات الوسط المحيط بها .
و رغم ذلك فقد ظل حرصى هذا حبيس غرفة مكتبى أنْفِذُهُ حين أدخلها و ألقى به خارجها ، فلطالما خدعتنى المظاهر الكاذبة و تسللت إلى نفسى الانطباعات الخادعة ، و أكثر ما كان يقع هذا حين يتعلق الأمر بالدين ، هذا التاجر رجلٌ صالحٌ أنظروا إلى لحيته و علامة الصلاة فى غرته ، نعم سأشترى منه ، و هذا الشيخ إنه قطبٌ فذٌ و ولىٌ من أو لياء الله الصالحين أنظروا إلى ابتسامته و سماحته و إلى النور المنبعث من وجهه ، نعم أصدق ما يقول فمن المستحيل أن يكذب ، فصهٍ ثم صهٍ يا من تُكَذِّبُه ، إنك أنت الكاذب الملعون ، أنت من يُكَذِّبُ بالدين ، و هذه السيدة الفاضلة أو الفتاة الكريمة أنظروا إلى حشمتها و وقارها إنها كالملائكة المقربين ، تالله بالله إن الحياء ليستحى منها .
و مرةً تلو أخرى حين أكتشفُ أن لحية التاجر و علامة الصلاة في غرته ليستا إلا من أدوات تسويق بضاعته المغشوشة في سوق الدين ، و أن ابتسامة الشيخ و سماحته و النور المنبعث من وجهه ما هذا إلا براعةٌ في فن التمثيل ليمرر دجله و خزعبلاته و وعوده الزائفة بالفردوس المفقود من بوابة الدين ، و أن حشمة السيدة أو الفتاة ما هي إلا وسيلةٌ لجلب عريسٍ أو اكتساب ثقة الزوج أو الأب في أخلاقها ليترك لها الحبل على غاربه تفعل ما يحلو لها باسم الدين ، بالطبع أنا لا أعمم تلك النماذج البائسة على الجميع فالخير في أمة الإسلام إلى يوم الدين ، إنها لا تمثل سوى الاستثناء من القاعدة العريضة ، لكن ـ للحقيقة ـ هي دائمًا ما يُدفع بها لكى تتصدر المشهد في كل ساحةٍ و نادٍ تدعمها أيدٍ خفيةٍ تعبث بالدين .
إن الأفيون الذى يُلقِى به هؤلاء الغُرُّ المحجلون ـ دجالو العصر ـ إلى الناس فتنخدع به الشعوب و الحكومات لا يفرق بين متعلمٍ و جاهلٍ أو حاكمٍ و محكوم ، فالكل في تأثير أفيون الدين سواءٌ ؛ ذلك أن الدين هو بوابة اللاوعى الفردى و الجماعى لبنى الإنسان ، البوابة المفتوحة على مصراعيها لمن يحمل نداء الله إلى خلقه ، فبه تتخدر الأفكار و الأنظار و تتخثر الهواجس و الشكوك و تتدغدغ الأحاسيس و المشاعر ؛ لأننا دائمًا ما نكتفى بالمظهر من دون الجوهر حين ننظر إلى اللحية و الغرة و الجلباب و النقاب و نلتفتُ عما يقبع خلفها من نفوسٍ شيطانيةٍ تتلبس أبدانًا إنسانيةً تسعى ـ جاهدةً ـ كى تُنِزل الدين من منزلته كغايةٍ أسمى لتجعل منه و سيلةً رخيصةً لمآرب دنيويةٍ و مشاريع سياسيةٍ و أهدافٍ تدميريةٍ و إرهابٍ مادىٍ و فكرىٍّ يماِرس من خلاله الغُرُّ المحجلون السطوة على الناس باسم الدين و من منطلق الحق الإلهى المطلق فيستعبدون أبدانهم و أرواحهم لخدمة مصالحهم الشيطانية الدنيئة .
بعد أيامٍ قلائل استقبلتُ الزميل بمكتبى ليخبرنى بأن شيخه أفتاه بحرمة ما فعله في قضية المرأة المنقبة و بأنه اقترف إثمًا يستوجب التوبة عنه و إصلاح ما فسد بسببه ، و طلب منى الزميل أن أنظر ماذا يفعل في الأمر ، فأشرتُ عليه أن يبعث في طلب زوجها و يصارحه بحقيقة أمر زوجته و يطلب منه أن يسامحه و يغفر له ، و بالفعل فعل ما أشرتُ عليه به .
ـ لكن قبل أن أنسى ، من هو القاضي غريب الأطوار صاحب الشخصية المخصية الذى حدثتنى عنه ليلة رأس السنة ؟
ـ لستُ أنا الذى يقول هذا عنه ، بل الزملاء جيرانه باستراحة المتزوجين .
ـ و لماذا ؟
ـ إنهم لاحظوا أن عددًا من الملتحين يترددون على مسكنه و يمكثون به حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل ، و أشياء أخرى في سلوكه و تعاملاته .
ـ يجدر به ألا يقيم صداقاتٍ أو ينخرط في علاقاتٍ اجتماعية مع أحدٍ من المواطنين بدائرة اختصاصه سواءٌ أكانوا ملتحين أم غير ملتحين .
ـ يكاد الزملاء أن يتفقوا فيما بينهم على أنه عضوٌ في إحدى الجماعات الدينية المحظورة .
ـ كيف هذا ؟ و أين المسؤولون في القضاء ؟ أنتم تبالغون في الأمر .
يبدو أن القاضي غريب الأطوار صاحب الشخصية المخصية ـ كما يسمونه ـ مثلما استطاع خداع المسئولين في القضاء حتى غفلوا عن انخراطه و أفراد أسرته في تلك الجماعة فقد استغفل أجهزة و مؤسسات الدولة ليشترك في تكوين تنظيمٍ سريٍّ موالٍ لجماعته ، لعب هذا التنظيم دورًا خطيرًا في تدنيس القضاء و تزوير نتائج الانتخابات و إفساد الحياة السياسية ، كما استغفل ـ أيضًا ـ هو و رفقاؤه عددًا من القضاة الشرفاء ليكونوا بمثابة الستار الذى يعملون من خلفه في تحقيق مآربهم الخفية ، و كان دائمًا ما يقول : إنه يعمل من أجل مصر ، و هو و جماعته و تنظيمه بمصر من الكافرين .
في مساء اليوم التالى قابلنى الزميل و قد انفرجت اساريره و انزاح العبوس الذى كان يقتر ملامحه ، وقال لى بصوتٍ تملؤه الفرحة و السعادة : لقد استدعيت الرجل زوج المرأة المنقبة و أخبرته بحقيقة أمرها فما كان منه إلا أن قال لى : لقد أمسكتُ زوجتى ثقةً في كلامك رغم ما قيل عنها و الآن أطلقها ثقةً في كلامك أيضًا و أسامحك على مافعلتَ .
المستشار عماد أبو هاشم

3,470 عدد المشاهدات