برقية عتاب من ” رمضان ” إلى الأمة الإسلامية !

من روائع الأديب الكاتب
السعيد الخميسى
* أيها المسلمون فى كل مكان :
 أنا ضيف عزيز أهل عليكم كل عام مرة واحدة , أذكركم فيه بحق دينكم عليكم وبتاريخكم المجيد وبانتصار أمتكم العظيم وسحق أعدائها وأنا بين أيديكم . أذكركم بغزوة بدر الكبرى , أذكركم بفتح مكة, أذكركم بموقعة حطين وعين جالوت , أذكركم باسترداد  ” أنطاكية ” من الصليبيين , أذكركم بفتح الأندلس فى قلب أوربا ,  أذكركم بمعركة ” الله اكبر ” معركة العاشر من رمضان . أذكركم بعصر المسلمين الأوائل الأعزاء الذين لم ينحنو لعدو أو يستسلموا لطغاة الأرض من أعداء أمتكم . أذكركم بالمسلمين الأوائل الذين كانوا صورة كربونية طبق الأصل لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم . أذكركم اليوم والحزن يعتصر قلبى والألم يصرخ فى كل جوانبى , أنكم لستم صورة حقيقية للمسلمين الأوائل, أنتم وللأسف صورة باهتة شاحبة جف حبرها وبهت شكلها واندثرت معالمها , فلم تعد صورتكم مشرفة ولا مقنعة ولا مؤثرة ولا فاعلة بين الأمم اليوم وذلك بما كسبت أيديكم . العيب فيكم أنتم وليس فى دينكم , العيب فى أهدافكم ووسائلكم وشتاتكم وتفرقكم وتشرذمكم واستسلامكم أمام أعدائكم . فأنا شاهد على كل العصور منذ عصر النبوة حتى يومكم هذا . شاهدت انتصاراتكم وقوتكم , وشاهدت هزائمكم وضعفكم وهوانكم على الناس.

 * أيها المسلمون فى كل مكان  :

ها أنا ذا على بعد ساعات قليلة منكم , فماذا أنتم فاعلون ؟ أتجيبون على أم أجيبكم أنا ؟ أراكم صامتين لا تتكلمون . أجيبكم أنا فأقول : أنتم اليوم تستعدون لتتبادلوا برقيات التهاني التي أصبحت صورة من صورة التسالي التى لا فائدة ولا ثمرة مرجوة منها . اليوم يستعد قادتكم وزعماؤكم وأمراؤكم وملوككم لتبادل القبلات والأحضان والرسائل العاطفية الرومانسية الملتهبة التى تشبه مكلمة ” سوق عكاظ ” كلام فى كلام وعليكم وعلى أمتنا السلام والإكرام . اليوم تستعد أحزابكم وهيئاتكم وجماعاتكم وشعوبكم لتبادل البرقيات الجميلة , والعبارات البليغة , والورود العطرة . كل ذلك وأكثر وأرضكم محتلة , وشعوبكم مختلة , وثرواتكم مسروقة , وخيراتكم منهوبة , وإرادتكم مسلوبة , وصفوفكم معوجة , رغم أن حدودكم ممتدة من المحيط إلى الخليج ومن المشرق إلى المغرب  . غير أنها لم تغن عنكم من الله شيئا , أتدرون لماذا ؟ لأنكم تخليتم عن وحدتكم وقوتكم وعقيدتكم , تركتكم كل ذلك وقاتلتم بعضكم بعضا , وانتهكتم أعراض بعضكم بعضا , واشتريتم كل حديث من السلاح , لا من أجل عدوكم  , بل  من أجل أن توجهوه إلى صدور بعضكم بعضا . فعلتم ذلك فى سوربا والعراق وليبيا واليمن والبقية تأتى . أليس  ذلك حقيقة أم ترون أن افترى عليكم بما ليس فيكم ؟ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين .
أيها المسلمون فى كل مكان :

 

* ها أنا ذا على بعد ساعات قليلة منكم , والظلم هو الظلم , والتبعية هى التبعية , والتخلف هو التخلف , والتفرق هو التفرق , واستسلام الأمة لأعدائها هو هو , لا استقلال ولا حرية ولا ديمقراطية ولا حق لأى إنسان فى أن يحيا حياة حرة كريمة يعرف فيها ما له وما عليه ؟ أتساءل فى حيرة ودهشة : أين العرب ..؟ بل أين المسلمون ..؟ أين المسلمون الفرسان الذين هزموا المشركين فى يوم بدر , يوم الفرقان..؟ يوم أن رفرفت راية الحق عالية مدوية على جثث المشركين الطغاة الذين سقطوا كورق الخريف الذابل فى يوم عاصف تحت الأقدام..؟ أين صلاح الدين الذي هزم الصليبين فى موقعة حطين..؟ أين شرف الخصومة اليوم من أخلاق صلاح الدين ,  يوم أن خاطبت الأميرات والنبيلات صلاح الدين  وهن يغادرن بيت المقدس ” أيها السلطان لقد مننت علينا بالحياة ولكن كيف نعيش وأزواجنا وأولادنا فى أسرك..؟ فمن سيكون معنا من الرجال للحماية والسعي والمعاش ..؟ أيها السلطان هب لنا أزواجنا وأولادنا , فإنك إن لم تفعل أسلمتنا للعار والجوع . فتأثر القائد المسلم بهذا الكلام ووهب لهن رجالهن  . بل أين سيف الدين قطز الذي هزم التتار فى موقعة عين جالوت ..؟ بل أين سلطان العلماء “العز بن عبد السلام ” الذي شحذ الهمم وشجع المصريين على ملاقاة الغزاة والمحتلين ..؟. أين كل ذلك من المجرم بشار وهو يحرق شعبه بالبراميل المتفجرة من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن تحتهم ومن فوق رؤوسهم ؟ أين.. أين .. أين..حتى مطلع الفجر  !
أيها المسلمون فى كل مكان :
* كيف تسعدون وتفرحون  وتأكلون وتشربون وبالبرقيات تتبادلون وأعداؤكم فى كل مكان يسومونكم سوء العذاب , يذبحون أبناءكم , ويستحيون نساءكم, ويحتلون أرضكم  وينهبون خيرات أوطانكم . وطنكم العربي  فى موج كالجبال , وهموم كالتلال من الفتن والانقسامات  والاضطرابات . يقتل البرئ , لا يدرى القاتل لماذا قتل..؟ , ولا المقتول لماذا قتل..؟ . دماء هنا , وأشلاء هناك , صراع هنا , وقتال هناك . هنا انشقاق , وهناك أشواك . هنا نفوس مختلة , وهناك أرض محتلة , هنا مليارات منهوبة , وهناك أرض مسلوبة . هنا كذب وخداع واحتيال , وهناك تربص وقتل واغتيال . هنا أمراض وأوبئة متفشية , وهناك حقوق شعوب ضاعت وتحت الرماد منسية . هنا تشرذم وتفرق واتهامات , وهناك ذل وانكسار لرؤوس وهامات . فبأي حال وبأى وجه تلقونى هذا العام..؟ أخبروني بعلم إن كنتم صادقين. دلونى أيها العرب والمسلمون على وطن واحد مستقر ليس فيه خلافات ولا انقسامات ولا تنازعات ولا شقاق ولا نفاق ؟ هيا أجيبونى إن كنتم تعلمون …!

 أيها المسلمون فى كل مكان :

 * أنا شهر الاستعلاء على الشهوات والنزوات والانحرافات …؟  فهل استعليتم على شهواتكم ونزواتكم وانحرافاتكم وتمسكتم بالصراط المستقيم ؟ هل تصومون عن الطعام والشراب , وتفطرون على الكذب وقول الزور ؟ هل تصومون عن الحق وتفطرون على الباطل ؟ هل تصومون عن مقاتلة أعدائكم وتفطرون على قتل بعضكم البعض ؟ هل تصومون عن تبليغ الرسالة وأداء الأمانة وتفطرون على المؤامرات والخيانة ؟ هل تصومون عن صلة الرحم وتفطرون على مقاربة أعدائكم ؟ هل تصومون عن الوحدة والقوة والاتحاد وتفطرون على الضعف والهوان والشتات ؟  أنتم أيها العرب والمسلمون اليوم حيارى فى بيداء الحياة , لا بوصلة لكم تتجهون إليها , ولا راية لكم تلتفون حولها , ولا قائد لكم تجتمعون وتتفقون عليه , ولا هدف لكم تسعون إليه , ولا خطة لكم تسعون لتحقيقها . تربصت بكم الذئاب الغادرة والثعالب الماكرة والوحوش الضارية , فصرتم كقطعة لحم بين الأنياب , تقطع أوصالكم , وتسيل دماؤكم وأنتم لا تحركون ساكنا ولا تسرى فى عروقكم دماء العروبة والإسلام حتى تعلموا من صديقكم ومن عدوكم ؟ أرأيتم كيف وصل بكم الحال إلى هذا  الخلل بل هذا الانحلال ؟

* أيها العرب والمسلمون :
*   يا أمتنا العربية والإسلامية .. يا قادة وزعماء وأمراء وحكام أمتنا من المحيط إلى الخليج… يا شعوب المسلمين .. يا كل من ينتمي لهذا الدين .. أما آن الأوان أن تتوحدوا على كلمة سواء..؟  أما آن لكم أن تميزوا الأصدقاء من الأعداء..؟ أما آن لكم أن توحدوا الصفوف , وتنتفضوا من تحت ظلال السقوف , وترفعوا الكفوف , عالية مدوية شامخة فى وجه أعدائكم الذين يتربصون بكم ليل نهار..؟ أما آن لكم أن تستقيموا وتعتدلوا ولا تنحنوا أمام أعدائكم..؟ أما آن لكم أن تقرأوا تاريخ أجدادكم العظام ..؟ هل نسيتم يوم أن وقف الصحابي الجليل “ربعى بن عامر” أمام” رستم ” قائد الفرس فى عزة وشموخ . فسأله ” رستم ” ما جاء بكم؟ فقال له: لقد ابتعتنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة . فقال له رستم: قد تموتون قبل ذلك. فقال: وعدنا الله أن الجنة لمن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا. ” هذا قليل من كثير وغيض من فيض من تاريخ أمتنا , فأين أنتم الآن من هذا المجد التليد والتاريخ المجيد..؟

أيها المسلمون فى كل مكان :

* هل ستلقونى هذا العام وأنتم كما كنتم دائما كأهل الكهف إيقاظ نيام..؟  هل تحتفلون بى  هذا العام والسجون عامرة , والمساجد خالية , والعقول لاهية , والقلوب ساهية ..؟ هل تسقبلونى هذا العام وانتم فى الشهوات غارقون , وفى الملذات تائهون , وفى الشوارع هائمون ..؟ أم أن وقت الحساب قد اقترب ..؟ حساب النفس للنفس . كحساب التاجر مع رأس ماله . أين الخسارة وأين الربح ..؟ يوم أن تخليتم عن دينكم وعقيدتكم الغراء , يوم أن أصبحتم لقمة سائغة فى فم أعدائكم . يوم أن تفرقتم وتشرذمتم واختلفتم ورفعتم السلاح فى وجوه بعضكم وتركتم أعدائكم , يوم أن طمعت فيكم أراذل الأمم , فاحتلوا أوطانكم ونهبوا خيراتكم . أيها المسلمون : إنى لكم نذير, فأنتم اليوم على شفا جرف هار وأوشكتم على  الانهيار , ولن يفيدكم برقيات التهانى ولا رسائل التسالى وأمتكم تحت الاحتلال تعانى من  كيد أعدائكم وجهل أبنائكم . أعيدوا حساباتكم واحترموا تاريخكم , وعودوا لدينكم ووحدوا صفوفكم قبل أن تصبحوا جثة هامدة فى مقبرة التاريخ .
اللهم بلغت .. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد . والله من وراء القصد والنية .

21,671 عدد المشاهدات