إذا اردت الحصول على صواريخ بالستية كورية شمالية؟ اتصل بسفارة القاهرة

على جزيرة بمحازاة قناة السويس، ترى نصبا عاليا لبندقية إيه كي-47، مع حربة تشير إلى السماء، في رمز إلى واحد من التحالفات الأكثر استدامة في مصر. ومنذ عقود، قدمت كوريا الشمالية إلى مصر للاحتفال بحرب عام 1973 ضد (إسرائيل)، عندما قاتل الطيارون الكوريون الشماليون وقتلوا على الجانب المصري.
ولكن الآن، أصبح التمثال يدل على جانب آخر من علاقات مصر مع كوريا الشمالية؛ حيث توجد تجارة متينة في الأسلحة غير المشروعة، أخلت بعلاقات الرئيس «عبد الفتاح السيسي» المريحة مع الولايات المتحدة، وتسببت في قطع المساعدات العسكرية، وعرضت مصر لتدقيق من مفتشي الأمم المتحدة.
وقد أشار مسؤولون أمريكيون ومن الأمم المتحدة إلى أن مصر اشترت أسلحة كورية شمالية، وسمحت للدبلوماسيين الكوريين الشماليين باستخدام سفارتهم في القاهرة كقاعدة للمبيعات العسكرية في المنطقة. وقد كانت هذه المعاملات مصدرا للنقد الحيوي لكوريا الشمالية، لكنها انتهكت العقوبات الدولية، وتسببت في غضب الراعي العسكري الرئيسي لمصر، الولايات المتحدة، التي قطعت أو علقت 291 مليون دولار في شكل مساعدات عسكرية، في أغسطس/آب.
وقد تتفاقم التوترات مرة أخرى في الأسابيع المقبلة بنشر تقرير للأمم المتحدة يحتوي على معلومات جديدة عن حمولة سفينة شحن كورية شمالية تم اعتراضها قبالة ساحل مصر عام 2016. وكانت السفينة تحمل 30 ألف قنبلة صاروخية، تقدر قيمتها بمبلغ 26 مليون دولار.
ويحدد التقرير الذي سيصدر هذا الشهر الهيئة العربية للتصنيع كمستلم محتمل لهذه الشحنة، وهي المجموعة الرئيسية لإدارة الأسلحة في مصر. ويرأس «السيسي» اللجنة التي تشرف على المجموعة.
وكانت مصر قد نفت من قبل أن تكون هي المتلقية المقصودة للأسلحة، أو أنها تخالف العقوبات الدولية. وردا على أسئلة حول استنتاج الأمم المتحدة، قالت دائرة الإعلام الحكومية الأسبوع الماضي إن «السلطات المصرية المختصة اتخذت جميع الإجراءات اللازمة فيما يتعلق بالسفينة الكورية الشمالية بشفافية تامة وتحت إشراف مسؤولين في الأمم المتحدة».
وبعد أن خفضت إدارة ترامب المساعدات الصيف الماضي، قال مسؤولون مصريون إنهم قرروا قطع علاقاتهم العسكرية مع كوريا الشمالية، وتقليل حجم التمثيل الدبلوماسي لسفارتها في القاهرة، ومراقبة نشاطات الدبلوماسيين الكوريين الشماليين. وقال وزير الخارجية «سامح شكري»، في مؤتمر صحفي عقده مع وزير الخارجية الأمريكي «ريكس تيلرسون» في القاهرة الشهر الماضي، إن العلاقات مع كوريا الشمالية «تقتصر على التمثيل، وليس هناك تقريبا أي مجالات تعاون».
وقال مسؤولون أمريكيون إن هذا التمثيل الدبلوماسي في السفارة التي تساعد في تجارة الأسلحة هو المشكلة. وقالت «أندريا بيرغر»، المتخصصة في  شؤون كوريا الشمالية في معهد ميدبوري للدراسات الدولية، إن واشنطن تشعر بالقلق من استمرار تواجد كوريا الشمالية، التي تعد موردا طويلا لتكنولوجيا الصواريخ الباليستية إلى مصر، في توريد أجزاء من الصواريخ.
وأضافت أن «عملاء الصواريخ البالستية هم الأكثر اهتماما بشركاء كوريا الشمالية، ويجذبون أعلى قدر من الاهتمام. ومصر واحدة من هؤلاء».
السفارة
وتقع أكبر سفارة لكوريا الشمالية في الشرق الأوسط في مصر، وهي عبارة عن مبنى قديم أنيق من ثلاثة طوابق، مع لوحة نحاسية صدرية فوق المدخل، في شارع راق على جزيرة في النيل. وتظهر جدران السفارة صور لزعيم كوريا الشمالية «كيم جونغ أون» يقف في حديقة أو يتجول في سوق للأسماك. وعادة ما تغلق نوافذها، ويثني حراس الأمن المارة عن التقاط الصور.
ومثل واجبات العديد من المواقع الكورية الشمالية، تتخطى واجبات سفارة القاهرة حدود الدبلوماسية.
وقال المحققون التابعون للأمم المتحدة إن الدبلوماسيين الكوريين الشماليين قد شاركوا في أفريقيا خصوصا في مجموعة واسعة من الحروب والمخططات لكسب العملة الصعبة. وفي جنوب أفريقيا وموزمبيق، تورط دبلوماسيون كوريون شماليون في الصيد غير المشروع لحيوان وحيد القرن. وفي ناميبيا، بنى الكوريون الشماليون تماثيل عملاقة ومصانع للذخائر. وفي أنغولا، قاموا بتدريب الحرس الرئاسي في فنون الدفاع عن النفس.
وفي مصر، أعمالهم هي الأسلحة. ويقول مفتشو الأمم المتحدة والمعارضون لكوريا الشمالية إن سفارة القاهرة أصبحت بازارا للأسلحة مزدحما بالمبيعات السرية للصواريخ الكورية الشمالية والمعدات العسكرية ذات السعر المنخفض، التي تعود إلى العصر السوفييتي.
وقد سافر المسؤولون الكوريون الشماليون إلى السودان، الذي كان يخضع آنذاك لحظر تجاري دولي لبيع صواريخ موجهة بالأقمار الصناعية، وفقا للسجلات التي حصلت عليها الأمم المتحدة. وذهب آخرون إلى سوريا، حيث قدمت كوريا الشمالية موادا يمكن استخدامها في إنتاج الأسلحة الكيميائية.
وداخل السفارة، تجري عمليات البيع على قدم وساق. وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، أقرت الولايات المتحدة والأمم المتحدة بأن السفير «باك تشون إيل» هو وكيل لأكبر شركة أسلحة في كوريا الشمالية، وهي المؤسسة الكورية لتنمية التعدين.
وتم التأكيد على أن ما لا يقل عن 5 مسؤولين كوريين شماليين آخرين في مصر يعملون لصالح أمن الدولة الكورية الشمالية أو مختلف جبهات الأسلحة. وقد سافر أحدهم، وهو «كيم سونغ تشول»، إلى الخرطوم عام 2013، لإبرام صفقة بقيمة 6.8 مليون دولار لبيع 180 صاروخا، وأجزاء صواريخ، إلى السودان.
ووفقا لتقرير العقوبات هذا العام، فإن «كيم» ومسؤول آخر في القاهرة، وهو «سون جونغ هيوك»، يواصلان التعامل مع المؤسسة الصناعية العسكرية التي تسيطر عليها الدولة في السودان.
وقالت «سامانثا باور»، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أمام مجلس الأمن الدولي في عام 2016: «إذا كان تاجر الأسلحة يحمل جواز سفر دبلوماسي فإنه لا يزال تاجر أسلحة».
السفينة
وعلى مدى أسابيع في صيف عام 2016، تعقبت المخابرات الأمريكية سرا «جي شون»، السفينة التي كانت مليئة بالقنابل الصاروخية، والتي أصبحت محور علاقات القاهرة مع كوريا الشمالية. ومع اقترابها من قناة السويس في أغسطس/آب، وفقا لدبلوماسي غربي مطلع على القضية، حذر الأمريكيون المصريين من احتمال حمولة مهربة، مما اضطرهم فعليا للتدخل.
وكان الاستيلاء على السفينة وحمولتها أكبر توقيف للذخائر منذ فرض العقوبات على كوريا الشمالية في عام 2006، وهو انتصار كبير في الجهود الدولية، بما في ذلك حظر الأسلحة والقيود المفروضة على الصادرات، لإجبار «كيم جونغ أون» على التخلي عن برنامجه للأسلحة النووية.
وخلال الأشهر الـ3 اللاحقة، بعد القبض على «جي شون» في ميناء العين السخنة، كانت لعبة الشد والجذب الدبلوماسية. وأراد الأمريكيون إرسال مسؤولين لتفتيش سفينة الشحن المتهالكة وبضائعها غير المشروعة. وقد أرسلت كوريا الشمالية دبلوماسيا للتفاوض حول إطلاق سراحها.
ورفض المصريون كلا المطلبين، ولكن في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، وافقوا على السماح لمفتشي الأمم المتحدة بالصعود إلى متن السفينة. ولكن بحلول ذلك الوقت، كانت المعلومات حول هوية العميل المفترض للحصول على الصواريخ، التي كانت مخبأة تحت أكوام من خام الحديد، مفقودة. وقد تم إرسال الطاقم الكوري الشمالي إلى ديارهم، مما يعني أن المفتشين لم يتمكنوا من مقابلتهم.
لكن معلومة واحدة كانت ما زالت قائمة، على شكل اسم مستعار على صناديق الصواريخ؛ حيث كان مطبوعا عليها «مصنع صقر للصناعات المتطورة»، وهي الشركة المصرية الرائدة في مجال البحث والتطوير في مجال القذائف، وهي شركة تابعة لتكتل الأسلحة الحكومي المترامي الأطراف، الهيئة العربية للتصنيع.
ولم يرد «محمد عبدالرحمن»، رئيس مجلس إدارة صقر، على الأسئلة عبر البريد الإلكتروني حول الشحنة. وقالت وزارة الإعلام المصرية في بيان لها إن الإجراءات التي اتخذتها البلاد «أشادت بها لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة»، التي أكدت مجددا أن الطريقة التي تعاملت بها مصر مع هذه القضية نموذج لما يجب اتباعه في المواقف المماثلة.
التعاون السري بشأن الصواريخ
وشكلت شحنة «جي شون» مثالا صارخا على كيف حصلت كوريا الشمالية على المساعدة النقدية في تمويل برنامجها النووي، من خلال نقل المخزون الكبير من الأسلحة الرخيصة التي تعود إلى عهد الاتحاد السوفييتي، إلى البلدان التي اعتمدت على تلك الأنظمة خلال الحرب الباردة، كما يقول المسؤولون الأمريكيون والمحللون.
لكنها تشير أيضا إلى طريقة تهريب راسخة وعلاقة تجارية وطيدة بين جيوش تلك البلدان، والتي تحدث عنها المسؤولون الأمريكيون طويلا كقناة لنقل تكنولوجيا الصواريخ الباليستية.
وابتداء من السبعينات، تعاونت القاهرة و«بيونغ يانغ» على توسيع نطاق ودقة صواريخ سكود السوفيتية، وفقا لما ذكره «أوين سيرس»، وهو وكيل سابق لدى وكالة الاستخبارات العسكرية. وفي أواخر التسعينات، شعر المسؤولون الأمريكيون بالقلق من أن مصر تحاول شراء نظام صواريخ «نودونغ» من كوريا الشمالية، الذي يبلغ مداه نحو 800 ميل.
ومن غير الواضح ما إذا كانت مصر قد حصلت على صواريخ «نودونغ». وعلى الرغم من أن القاهرة أنفقت مليارات الدولارات على مشتريات عسكرية رفيعة المستوى في الأعوام الأخيرة، بما في ذلك الطائرات المقاتلة الروسية، وحاملات الطائرات الفرنسية، والغواصات الألمانية، إلا أنها كانت حريصة بشكل خاص حول قدراتها الصاروخية الهجومية.
وفي عام 2013، تم اعتراض شحنة من قطع الغيار لصواريخ سكود – ب، التي لها مدى أقصر من صواريخ نودونغ، أثناء شحنها جوا من سفارة كوريا الشمالية في بكين إلى شركة تسيطر عليها القوات المسلحة في القاهرة. وقد تم وصف مكونات الصواريخ كأجزاء لآلات تجهيز الأسماك.
ونفت مصر أن الشركة العسكرية التابعة لها قد طلبت أجزاء من صواريخ سكود.
ويمكن لهذه الصواريخ أن تضرب (إسرائيل) من داخل الأراضي المصرية. كما يمكن أن تصل إلى إثيوبيا، التي تواجه مصر معها نزاعا متزايدا حول سد جديد على نهر النيل.
سياسة التهرب من العقوبات
وقد حققت إدارة «ترامب» بعض النجاحات في محاولتها لعزل كوريا الشمالية عن حلفائها، وخاصة مع الفلبين وسنغافورة في الخريف الماضي. لكن مصر، التي تتلقى 1.3 مليارات دولار أمريكي سنويا من المساعدات الأمريكية، قاومت جهود «ترامب».
وتعد علاقة مصر مع كوريا الشمالية عميقة للغاية. وكان الرئيس المصري المعزول«حسني مبارك» قد تعامل بانتظام مع «بيونغ يانغ» قبل الإطاحة به عام 2011. وقام «نجيب ساويرس»، أحد عمالقة الأعمال في مصر، ببناء شبكة الهاتف المحمول الرئيسية لكوريا الشمالية، واستثمر في أحد البنوك هناك. وإلى جانب نصب بندقية إيه كي-47 على قناة السويس، قامت كوريا الشمالية ببناء متحف حرب كبير في القاهرة يزوره كثيرا تلاميذ المدارس المصرية.
ويقول المحللون إن القادة العسكريين المصريين يترددون في قطع تلك الروابط وفقدان إمكانية الوصول إلى أسلحة الحقبة السوفييتية وأنظمة القذائف التسيارية، وهو موقف يتعارض مع الضغط الأمريكي. وقد يشعرون بأن الانتقادات الأمريكية سوف تخف في نهاية المطاف، استنادا إلى التجربة السابقة.
وقال «أندرو ميلر» من مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، الذي عمل حتى العام الماضي في مصر: «إنهم يعتقدون أنهم يستطيعون التهرب من العواقب. إنهم يواصلون العمل، ويتبعون مسار العمل هذا ظنا منهم أنهم يستطيعون إخفاءه، ومهما كان الثمن الذى سيفرض عليهم سيكون قابلا للتحمل».
وفي السفارة الكورية الشمالية في القاهرة، التي يرأسها الآن سفير جديد، يستمر العمل كالمعتاد. ولم تذكر وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية سوى أن السفير «ما ما تونغ هوي» كان منصبه السابق رئيسا لجهاز حكومي غير معروف في بيونغ يانغ، يدعى معهد نزع السلاح والسلام
المصدر
نيويورك تايمز

119 عدد المشاهدات