فساد يعنى سقوط دولة فى يد إحتلال طامع متربص وحيوية شعب”الحلقة الثانية عشر”

بقلم المؤرخ الكبير
بروفيسور دكتور عبد الفتاح المصرى 
نائب رئيس منظمة “إعلاميون حول العالم”
الزعيم محمد فريد  الثائر الوطنى والمصلح الإجتماعى
لم ينتقل الزعيم الوطنى مصطفى كامل  إلى رحاب الله في 10 سبتمبر 1908م إلا بعد أن قضى على اليأس العدو الأول  للشعوب ونفخ فيه الأمل الدافع الأكبر لتحريرها ونهضتها وربى قيادات وزعامات وطنية  لتقود الشعب المصرى فى كفاحه ضد الإحتلال البريطانى وضد الحكم الديكتاتورى وأشهر هذه الزعامات  محمد فريد الذى سار على دربه .
وُلد محمد أحمد فريد باشا  فى حي شبرا  في القاهرة  في 20 يناير عام 1868م فى قلب القاهرة حيث تعترك الحياة السياسية وتتصادم وكان والده من كبراء مصر المعدودين  حيث شغل وظيفة ناظر  للدائرة السنية  فأرسل محمد فريد إلي المدارس الإبتدائية حيث تأصل طلب العلم فى هذه الطبقة الإقطاعية الحاكمة لما تحوزه من مزايا الإلتحاق بالوظائف والمناصب الرئيسية فى مؤسسات الجهاز الحكومى  ولذلك ألحقه والده بمدرسة خليل أغا ثم مدرسة الفرير وواصل دراسته في المدرسة الخديوية الثانوية ثم التحق بمدرسة الحقوق  واُلحق بمجرد  تخرجه بوظيفة مترجم بقلم قضايا الدائرة السنية بعد حصوله علي شهادة الحقوق عام 1887م  ثم أصبح رئيساً له  ثم نقل إلي النيابة العامة عام 1891م وترقى إلى منصب وكيل للنائب العام بالقاهرة وهو فى العشرينات من عمره  وتدرج في وظائفها إلي أن رقي إلي وكيل نيابة الإستئناف  لأنه إتسم بالبراعة في مجال القانون .

لم يكن هذا الشاب الأرستقراطى  ــ  Aristocratic    ــ يعلم ما يخبئه له عام 1896م من مفاجأة  ستغير مجرى حياته إلى الأبد  وتنقله من العيش فى أسرة ميسرة الحال هانئة البال يضفى عليها القصر رضاه ولا تصطدم مع الإحتلال البريطانى  وأعوانه إلى شاب وطنى  ثائر يصطدم مع القصر والإحتلال عندما ناصر الشيخ على يوسف رئيس تحرير المؤيد  المتهم  في إحدى قضايا النشر وتوفيق أفندى كيرلس عامل التلغراف المتهم  بتسريب البرقية وقد بدأت الأحداث بقيام الشيخ على يوسف بنشر هذه البرقية فى جريدة المؤيد  قيل أنها كانت سرية لأنها تتضمن أخبارا عن أوضاع الجنود المصريين بالسودان وهى أوضاع سيئة للغاية وتثير بلبلة الرأى العام فى مصر ضد الإحتلال  فقامت الحكومة المصرية بأمر من الاحتلال بتقديمهما للمحاكمة وتطورت القضية لتتحول إلى ساحة معركة بين الإحتلال وأعوانه من جانب  وبين القوى الوطنية من جانب آخر ووصل الأمر إلى ذروته عندما بدأت المحاكمة فى نوفمبر 1896م  فتحولت جلساتها إلى مظاهرة شارك فيها كل القوى الوطنية إمتلأت فيها قاعة المحكمة بالكامل وإزدحمت الشوارع المحيطة بها  وحضر جلسات المرافعة الشاب الوطنى محمد فريد وكثير من وكلاء النيابة والقضاة مما أعطى للمحاكمة أهمية وطنية ولم يكتف محمد فريد بذلك بل شارك فى المظاهرات التى تؤيد الشيخ على يوسف وعندما إنتهت القضية بنطق القاضى  بالبراءة علت صيحات الفرحة فى المحكمة وزاد التجمهر داخلها وحمل الحضور الشيخ إلى عربته وهم يهتفون ضد الاحتلال وأعوانه مما أفصح عن صحوة وطنية فى الشعب المصرى ضد الإحتلال فكانت صفعة قوية على وجهه إنتبه على أثرها إلى أن الشعب لم يستسلم للإحتلال بعد هزيمة القائد الوطنى أحمد عرابى ولم تخمد ثائرته ومازالت نار الثورة مشتعلة تحت الرماد بعد أن كان يظن واهما أنها ماتت للأبد فقرر بعدها أن ينتقم من الشباب الذين أيدوا الحركة الوطنية ويرهبهم ليبتعدوا عنها  كما يفعل الإنقلاب الآن بقتله مئات الوطنيين وحرق أجسادهم  وإعتقال المئات من الثوار الذى أجرى عليهم التعذيب والتصفية والإعدامات  بعد محاكمات صورية لإرهاب الشعب لإبعادهم عن الإنشغال بالوطنية أو الإنضمام للثوار أو مشاركته فى منظمات العمل الوطنى وكان محمد فريد أحد أهداف هذا الإنتقام إذ سرعان ما طلب الإنجليز من النائب العام فى 18  نوفمبر 1896م  نقله إلى إحدى المحاكم الكلية فأمر النائب العام من وزارة العدل ــ الحقانية ــ نقله إلى نيابة بنى سويف وصدر الأمر بالنقل وجاء التصديق فى صباح الخميس 19 منه بالنقل إلي نيابة بني سويف فإحتج محمد  فريد على هذا النقل بالإستقالة  ويروى محمد فريد ما حدث له فى مذكراته فيقول:  ولما علمت بهذا القرار صممت على الإستقالة من وظيفتى وعدم قبول هذا النقل المقصود به إهانتى والتأثير على عواطفى وإحساساتى الوطنية ولما توجهت يوم السبت إلى نيابة الإستئناف بُلّغْت ما تقرر رسميا فقدمت إستقالتى إلى النائب العام ولكن النائب العام إستحسن بقاءها طرفه إلى يوم الأحد  ربما أعدل عن فكرى مع أنى أخبرته بتصميمى على ذلك قطعيا  وفى يوم الأحد توجهت إليه وأخبرته بإصرارى فكتب بالموافقة على الاستقالة للنظارة ــ وزارة  الحقانية ــ وأجابت النظارة بقبول الإستقالة فى اليوم نفسه وبذلك تخلصت من خدمة الحكومة التى لا تقبل إلا كل خاضع لأوامر الإنجليز ميت الإحساس غير شريف العواطف ولما كان محمد فريد كغيره من الشباب المصرى الذين يبحثون عن مكانٍ لهم فى النضال من أجل استقلال مصر لذلك حسم  محمد فريد موقفة  وإختار القضية الوطنية طريقا له وترك غير آسف العمل لدى حكومة رضيت أن تكون ألعوبة فى يد المحتل الذى كرهه من كل وجدانه وتنازل فى سبيل ذلك عن وظيفة ومستقبل  يتمناه كل شابٍ فى مصر لنفسه وكان لموقفة الشجاع صدى كبير لدى كل الوطنيين المصريين  مما دفع الأستاذ محمود أبو النصر أحد أقطاب المحاماة فى مصر فى تلك الفترة إلى إرسال خطاب له من باريس فى 2 ديسمبر 1896م ليشد من أزره ويقول فيه: هاج بالى وإضطرب خاطرى إذ علمت بما قابلك به الاحتلال جزاء إخلاصك للوطن وتظاهرك بنصرة الحق دون أن تخشى لومة لائم ولا سطوة حاكم غير أنى ما لبست قليلا حتى رأيت الأمر طبيعيا وأذعنت بأن لا وجه للتهيج ولا معنى للعجب  أليسوا باضطهادهم لمثلك عاملين بما تقضى به عليهم خدمة قومهم وبلادهم التى يفتدونها بالنفس والنفيس بل وما الذى كنت تنتظر غير ما قوبلت به وقد عرف الخاص والعام شرف إحساسك ونبل قصدك وإخلاصك وشهد القريب والبعيد بفضلك وشمم نفسك حتى أنزلك منزلة تغبط عليها من الجميع وخاصة  بين أبناء الذوات  ــ الطبقة الأرستقراطية ــ  وهكذا كانت تلك الواقعة نقطة حاسمة فى تاريخ الزعيم الكبير محمد فريد  جعلته يوجه كامل طاقته للدفاع عن الوطن .
وقرر الزعيم محمد فريد بعد الإستقالة أن يتجه للعمل فى مهنة المحاماة  التى كان ينظر إليها فى ذلك الوقت نظرة سيئة  ويتعفف عن العمل بها أبناء الطبقة الأرستقراطية ولا يمتهنها إلا الرعاع من الشعب فهى لم تنظم بعد ولم توضع لها قوانين لممارستها ولا نقابة تشرف عليها ولذلك كان فى إستطاعة أيٍ شخص أن يعمل بها إذا تميز بطلاقة لسانه وعرف إجراءات القضايا فى المحاكم كما يفعل كتبة المحامين الآن ولذلك كانت تتمتع تلك المهنة بسمعة سيئة فى أذهان المصريين ولذلك كان قرار محمد فريد بالعمل  فى هذه المهنة  له رد فعل عنيف من والده فريد باشا الذى راح يشكو إبنه إلى الشيخ محمد عبده  ويبكى ويقول للشيخ: هل يصح يا سيدى الأستاذ أن يهزأنى محمد فريد فى آخر الزمن ويفتح مكتب أفوكاتو  ــ محام  ــ   فلما سمع الشيخ محمد عبده شكوى أحمد فريد باشا بإشتغال إبنه بالمحاماة  أخذ يهدئ من نفسه ويعرب له أنه يخالفه فى رأيه ويرى أن الاشتغال بالمحاماة ليس فيه ما يجرح الكرامة وما يخل بالشرف على نحو ما يظن الناس وما كان مألوفا فى فهمهم لهذه المهنة فى ذلك الزمان ولأن محمد فريد يعتبر أول من عمل بها من الطبقة الأرستقراطية فإن ذلك  يعد فى حد ذاته ثورة على أفكار المجتمع  كما ورد فى قصة حياة  أحمد لطفى السيد الذى ذهب مع الشيخ محمد عبده فى جنيف  لزيارة محمد ثابت باشا  حامل أختام الخديو إسماعيل ــ  مهردار  ــ  وهو منصب يساوى رئيس الديوان وكان وقتئذ مريضا ولكن فى الحقيقة تظل هذه المهنة حتى الآن عليها علامات إستفهام كبيرة لا يمكن تجاهلها وتحتاج إلى ضابط  قانونى  يسد ثغراتها ويستر عوراتها فكثيرا ما تخرج علينا الصحف بقيام أحد المحامين بجريمة نصب أو تكوين المحامين لشبكة إحتيال أو العمل لدى شركات مشبوهة فى السمسرة أو التجارة وكثيرا منهم تعرض عليهم قضايا قتل واضحة المعالم لا لبس فيها فيتجه  المحامى إلى إجراءات الضبطية القضائية ليجد أى خلل فيها يستغله لتبرئة القاتل أو يقوم باستغلال ثغرات فى القانون لتبرئة متهم فى الغش أو سلب حقوق الناس ولكن محمد فريد رأى في مهنة المحاماة وسيلة للدفاع عن الحق ونصرة المظلومين فكان طوال عمله بها يرفض تولى أى قضية ما لم يتأكد من أن الحق عند صاحبها  لدرجة أنه رفض قضية رفعتها إحدى أميرات البيت المالك بموجب سندات لعلمه أن الحق ليس معها . 
 ومن الطبيعى أن يكون رجل بهذه الأمانة والتعفف أن يوجه كامل اهتمامه إلى القضية الوطنية فإعتزل المحاماة ليتفرغ لقضية الوطن ليقضى ما تبقى من حياته محاربا فى سبيل حريته واستقلاله  حيث مازال عالقا  فى ذهنه منذ كان  فى الرابعة عشرة من عمره  منظر طوابير القوات البريطانية وهى تدخل القاهرة بعد هزيمة الثورة العرابية فى 1882م فوجه نشاطه إلى تحرير مصر من السيطرة البريطانية  ومن هذا المنطلق تعرف على رفيق كفاحه الزعيم مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية المصرية عام 1892م بعد موات دام عشر سنوات بسبب دخول الاحتلال الإنجليزي مصر و هزيمة الثورة العرابية  فوثق صلته به  وتعاهدا معاً علي الإستماتة في الدفاع عن قضية إستقلال مصر  ورافقه فى سفره إلى العديد من البُلدان   وأصدر  مع مصطفى كامل صحيفتين باللغتين الفرنسية والإنجليزية كما أسسا جريدة  اللواء عام 1900م باللغات  العربية  والفرنسية  والإنجليزية  للمثقفين والأجانب لطرح القضية الوطنية في الأوساط العالمية ساعد على ذلك  معرفة مصطفى كامل بمدام جولييت آدم الراعية لقضايا البلاد المحتلة فأصبح الزعيم محمد فريد أحد أهم أعلام مِصر ومن أهم من نادوا بالحُرية  بعد الزعيم الوطنى الكبير مصطفى كامل ولما كان  محمد فريد متفردًا في ثوريته ومتجردا ومخلصا لوطنه إلى أقصي درجة  فقد إختاره مصطفي كامل ليكون وكيلاً للحزب الوطني  فأصبح الرجل الثاني في الحزب  وبالتالي فإن مبادئ الحزب الوطني في حياة محمد فريد هي نفسها مبادئ مصطفي كامل لأنه شارك في صنعها وآمن بها منذ البداية وإستمرت معه بعد وفاة مصطفى كامل وحمل راية الكفاح الوطنى بعده وجسد عمليًا لأسس الاستقلال المنشود فهو الذي دعمه ماديًا لتمويل الحزب الوطني الذي أُسساه عام 1907م وبذلك أصبح محمد فريد الضلع الثاني لجريان النبض الوطني في الشريان المصري ولهذا اُختير ليكون رئيساً للحزب الوطني عقب وفاة مصطفي كامل في 10 سبتمبر 1908م وبتوليه مسئولية رئاسة الحزب الوطني وقع عليه مسؤولية قيادة  الكفاح ضد الإحتلال بدأ البحث عن الاستقلال  والحرية للأرض المصرية في ظروف حالكة  حيث بدأ الاحتلال والقصر في تضييق الخناق على الحركات الوطنية وتقييد حرية الصحافة ومن هنا بدأ عمله النضالي يظهر بشكل أكبر بإستغلال خبرته في الحقوق ليُدافع عن بلاده ضد المستعمرين   .  
وعلى الرغم من وقوف الاحتلال لمحمد فريد بالمرصاد ليحول دون إنضمام الشباب إلى صفوف الحركة الوطنية  والتصدي لأفكاره   إلا أن هذا لم يُثنه عن التراجع عنها ومن هذه الأفكار دعوته  للوزراء للاستقالة حتى يصبح موقف الشعب أقوى فيحث هذا على إصدار دستور كما دعا الوزارة  ــ نظارة  ــ  أن تستقيل بشهامة  وتعلن للعالم أسباب إستقالتها  بعدم وجود دستور فكما يقول محمد فريد : لو أن الوزارة استقالت الوزارة بهذه الصورة  ولم يوجد بعد أحد من المصريين من يقبل الوزارة مهما زيد مرتبه  لأُدى هذا إلى إعلان الدستور ولناله الشعب على الفور  وكذلك إخترع محمد فريد فكرة تقديم عوارض من الشعب للخديو للمطالبة بالدستور ووضع لها صيغة موحدة وطبع منها عشرات النسخ و دعا الشعب إلى توقيعها  وإرسالها له ليقدمها للخديوي عباس حلمي الثاني ونجحت الحملة حيث وصل عددها إلى 45 ألف توقيع و تلتها دفعات أخرى و ذهب محمد فريد إلى القصر ليسلم  الخديو نسخ المطالبة بالدستور وعليها  توقيعات الشعب  وكذلك إبداعه لفكرة الإحتجاج  بالتظاهر فشهدت مصر لأول مرة خروج الشعب للتظاهر مطالبين بوضع قوانين للعمال والفلاحين  فعرفت مصر على يديه المظاهرات الشعبية المنظمة حيث يجتمع المتظاهرون بحديقة الجزيرة التى تمتد بين كوبرى قصر النيل وكوبرى الجلاء ثم يتم سير المظاهرات إلى قلب القاهرة هاتفة بمطالبها  فكانت  دعوته إلى جميع الناس بالتظاهر لإرغام الخديو على الموافقة على إصدار دستور للبلاد وهى أيضا للتعبير عن رفضهم لمساندة الخديو عباس حلمى الثانى للإحتلال الإنجليزى الذى بدأ بتفاهم  الخديو  عباس مع الدون جورست المعتمد البريطاني الجديد الذى خلف اللورد كرومر فى 16 مايو 1907م بما سمي وفاق عباس ــ جورست   وقام الإثنان بتبادل المنافع  فقام الدون جورست بمساعدة الخديو علي شراء أملاك الحكومة في مريوط بثمن زهيد :
وفي المقابل وافق الخديو علي منح امتياز خطوط السكك الحديدية  لشركة إنجليزية بعد أن كان يدعى الوطنية فى عهد مصطفى كامل ولكن لما نال بعض الحقوق فى الحكم بعد أن كان مجردا منها  تعاون مع الإحتلال البريطانى وذلك لأن الدون جورست كان مختلفاً عن اللورد كرومر من حيث تخفيف الرقابة علي تصرفات الخديو  وتوسيع سلطات مجلس النظار وإطلاق يد المصريين في إدارة شئون بلادهم بحيث لا تصطدم مع مصالح الإحتلال والعمل على تمصير الإدارة تدريجياً و إيقاف سياسة  طبع الإدارة المصرية بالطابع الإنجليزي ــ الجلنزة ــ    وكانت الحركة الوطنية بقيادة محمد فريد هي أكثر المتضررين من سياسة الوفاق بين الخديو عباس والدون جورست  لأن ذلك لم يعط فرصة لمناقشة فكرة جلاء الإنجليز عن مصر ولذلك دعا محمد فريد إلى مقاطعة الحكومة وعندما يدعوا  محمد فريد إلي التظاهر يجتمع عشرات الألوف فى حديقة الجزيرة  ويقوم  محمد فريد بالخطابة فيهم على طريقة حديقة لندن هايد بارك التى يجتمع فيها المتظاهرون أو المحتجون الإنجليز ويخطب فيهم زعماؤهم بدون أى قيود  فتؤدى خطابة محمد فريد فيهم إلى تزكية الروح الوطنية والحماس فيهم  مستخدما مواهبه الخطابية وتسير هذه المظاهرات إلى قلب القاهرة هاتفة بمطالبها فتزلزل  هتافاتهم الحكومة فى ذلك الوقت مما يعنى أنه قد أصبح للشعب كله صوت يستطيع أن يعارض ويحتج وهذا يعطى فرصة للحاكم ليتمهل قبل إصدار أى قرار تحسبا لغضب الشعب وإعتراضه ولذلك تقمع الحكومات الدكتاتورية والعميلة للنفوذ الأجنبى والطغاة  المظاهرات كما تفعل  حكومة الإنقلاب اليوم بإستخدام الطلقات المطاطية والرصاص الحى فى إسقاط قتلى وجرحى فى صفوف الوطنيين ودهس المتظاهرين بالعربات المصفحة  لتفريق المظاهرات لأنها لا تستطيع  تحمل هتافات هذه المظاهرات بسقوطها أو إتهامها بالفساد أو الطغيان أو العمالة للنفوذ الأجنبى فهذا يعرى الوجه القبيح لهذه الحكومات العميلة .   
ولما كانت مبادىء محمد فريد تتضمن  الجلاء فهو قد أدرك ضرورة توضيح القضية المصرية للشعوب الأوروبية للضغط على بريطانيا حتى تنهى إحتلالها لمصر ودعمها لسياسة الإستبداد الذى هو مهم جدا لمساندة الإحتلال بتنفيذ مطالبه ولا يستطيع أى إحتلال فى العالم من البقاء فى البلد المحتل بدون مساندة حكومة مستبدة والخونة من أبناء البلاد ولذلك ذهب محمد فريد إلى أوروبا لكى يعد المؤتمرات لبحث المسالة المصرية بباريس وأنفق عليها من ماله الخاص كى يدعو إليها كبار معارضى الإحتلال لإيصال صوت القضية المصرية إلى المحافل الدولية فقام بعقد مؤتمر  دولي  في بروكسل عام 1909م سلط فيه الأضواء على موقف مصر وحقها في الاستقلال فلما مات  الدون جورست المهادن   في 1911م  و خلفه  كتشنر  أعاد سياسة القبضة الحديدية و الحكم المطلق  الذى كان يتبعه اللورد كرومر من قبل فعادت سياسة الجلنزة  وأول عمل قام  به  هو مطاردة الوطنيين وإبعاد الزعيم الكبير محمد فريد عن مصر ونفيه  عام ١٩١٢م   إلا أن مشواره الكفاحي في سبيل الوطن لم يتوقف بنفيه  فقد استمر في الدفاع عن قضايا الوطن في الخارج  كما حدث في مؤتمري السلام بجنيف عام ١٩١٢م ولاهاي ١٩١٣م وبقي مُصراً على أفكاره وكتب عنها  العديد من المقالات  وإستعان بالعديد من معارضي الإحتلال  لنشر أفكاره الوطنية وطرح  قضية الوطن  في الأوساط العالمية  ليجعل للصوت المصري دويًا في الآذان الغربية وظل  محمد فريد  حاملا راية الكفاح ومجسد عمليًا لأسس الاستقلال المنشود  منذ أن نذر حياته للكفاح الوطني ضد الاحتلال البريطاني مع مصطفى كامل باشا  مدافعًا معه عن قضايا الوطن وفاضحًا لممارسات الاحتلال في مصر وبجانب هذا المجهود العقلى والفكري التنويري رأى أن الأسلوب الوحيد لمقاومة الاحتلال هو الكفاح الشعبي السلمي بالمظاهرات والعصيان المدنى والذى يتطور فى حالة عدم الإستجابة له إلى الكفاح المسلح  فقد عرف الرجل على نطاق أوسع بنضاله الحركي  وبناء عليه أدخل محمد فريد الكفاح المسلح بالحزب الوطني ضد المحتل البريطاني  وقام بدور كبير فى هذا المجال بالإتفاق مع كل من عبد العزيز جاويش وإبراهيم ناصف الورداني في إنشاء وإدارة الكثير من المنظمات والجمعيات السرية  مستهدفا بذلك إنشاء تنظيم سري وكبير في كل مكان حيث بلغ عدد المنظمات السرية 85  منظمة سرية مسلحة تابعة للحزب الوطني سنة 1910م طبقا لمعلومات الإحتلال وهو رقم كبير جدًا يدل على مدي انتشار تلك الجمعيات السريـة  والتى هدفت إلى تسليح الجماهير بالوعي والقوة إستعداداً لتلك الثورة  على الإحتلال البر يطانى والخديو  المستبد بالحكم  وهذا بفضل جهود الزعيم الوطنى الكبير محمد فريد كما جاء فى كتاب الحزب الوطني والكفاح السري 1907م ـ 1915م   للدكتور عصام ضياء الدين وهى الجهود التى سار فيها على مبادىء الزعيم الوطنى مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية فى مصر وظل على نفس المبادئ في فترة زعامته للحزب الوطني  1907م وحتى وفاته سنة 1919م ولذلك تربص به كل من الإحتلال والقصر ودبروا له تهم باطلة كما يفعل الإنقلاب الآن فى تدبير التهم الباطلة للوطنيين لإعتقالهم وتعذيبهم لتصفيتهم داخل المعتقلات وكانت التهمة من النوع المضحك الذى يدرج إتهام الحكومة فى قائمة الحجر على الرأى الحر  الذى يصنف فى قائمة الأراء المقاومة للطغيان  وقدمته الحكومة البريطانية للمحاكمة بتهم كاذبة وهذه التهم لم تكن إلا  بسبب ما كتبه كمقدمة  لديوان  شعر بعنوان  وطنيتي  للشيخ علي الغاياتي فقدم للمحاكمة بسبب العبارات الوطنية الواردة في المقدمة التى كتبها بعنوان  أثر الشعر فى تربية الأمم والتى قال فيها لقد كان من نتيجة إستبداد حكومة الفرد إماتة الشعر الحماسى وحمل الشعراء بالعطايا على وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء وإبتعادهم عن كل ما يربى النفوس ويغرس فيها حب الحرية والإستقلال ورغم نصيحة أصدقائه بعدم العودة بسبب نية الحكومة محاكمته إلا أن  إبنته  فريدة أرسلت له رسالة تقول فيها :

نفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا به على الشيخ عبد العزيز جاويش فذلك أشرف من أن يقال عنكم بأنكم هربتم  وأختم جوابي بالتوسل إليكم باسم الوطنية والحرية التي تضحون بكل عزيز في سبيل نصرتها أن تعودوا وتتحملوا آلام السجن ! وبهذا يظهر لنا بجلاء دور الأسرة  فى تربية أولادها فإذا كانت الأسرة وطنية نشأ أبناؤها على نفس النمط لأن الأسرة عبارة عن حضّانة للقيم الوطنية وعلى هذا وجدنا أسرة الدكتور محمد مرسى وأسر كثير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين نشأ أبناؤهم على نفس القيم الدينية والوطنية وإذا كنت الأسرة متهتكة ولا  تأبه بالقيم الوطنية أو الدينية نشأ أبناؤها لا يحملون قيما ولا يؤمنون بوطنية كما رأينا من أسرة جمال عبد الناصر الذى فضحه أبناؤه بتهتكهم وتأييدهم للإنقلاب وميولهم للصهيونية ونحن ننتظر الكشف عن الوثائق المحجور عليها  بعد عام 1947م لتأكيد هذا أو نفيه وعاد محمد فريد إلى مصر أمام خطاب إبنته فريدة الذى يتسم بالوطنية والقيم العالية وحكمت عليه المحكمة بالحبس ستة أشهر  قضاها جميعا ولدى خروجه من السجن كتب الكلمات الآتية : مضى على ستة أشهر فى غيابات السجن ولم أشعر أبدا بالضيق إلا عند إقتراب خروجى لعلمى إنى خارج لسجن آخر وهو سجن الأمة المصرية الذى تحده سلطة الفرد ويحرسه الاحتلال  وأصبحت مهدداً بقانون المطبوعات  ومحكمة الجنايات محروماً من الضمانات التي منحها القانون العام للقتلة وقطاع الطرق .

 إذن فالحزب الوطني حرك في المصريين مرة أخري مشاعر الثورة بعد السكون الرهيب الذي أطبق على الحياة في مصر بعد هزيمة البطل  أحمد عرابى سنة 1881 ـ 1882 م  وقد أثمرت جهود محمد فريد فى قيام الشاب المصرى الوطنى إبراهيم ناصف الوردانى باغتيال بطرس غالى رئيس الوزراء ــ رئيس النظارة ــ الذى أراد أن يجدد إمتياز  قناة السويس  لمدة40عاما أخرى  مقابل مبلغ من المال تدفعه الشركة صاحبة الامتياز إلى الحكومة المصرية إلى جانب نسبة معينة من الأرباح تبدأ من سنة 1338هـ / 1921م وقد تمكن محمد فريد من الحصول على نسخة من مشروع القانون  ونشرها  في جريدة اللواء وبدأت حملة من الحركة الوطنية وعلى رأسها الحزب الوطني في تعبئة المصريين ضد هذا القانون خاصة أن إعطاء الإمتياز  يعني أن تترك الشركة القناة للمصريين سنة 1428هـ/ 2008م  وطالبت بعرض مشروع هذا القانون على الجمعية وكان معنى ذلك هو حشد الأمة المصرية ضد هذا القانون  وقد وافق الخديو  عباس حلمي على  تحديد أول صفر 1328 هـ / العاشر  فبراير 1910م  لانعقاد الجمعية العمومية و مجلس شورى القوانين لمناقشة المشروع فرفضت الجمعية العمومية المشروع وتبعا لذلك أصرت الحكومة على رفضه  وبسبب الكوادر الثورية التي خلقها الحزب في مصر كان مقدرا قيام الشعب بالثورة  ولكنه نظرًا لظروف الإرهاب والنفي والإضطهاد والتنكيل التي مارستها سلطات الاحتلال على الوطنيين بعد  حادثة إغتيال بطرس غالي على يد الوطنى الفدائى إبراهيم ناصف الوردانى وهى  التى  تشبه تماما ما يقوم به الإنقلاب فى مصر من ترويع الآمنين فى بيوتهم والإعتداء على النساء والأطفال بحجة البحث عن الثوار وإتهامهم بالإرهاب وهروب الوطنيين والمعارضين إلى الخارج  فإنه لم يكن هناك مناص من تأجيل الثورة  طيلة سنوات الحرب العالمية الأولي  1914 ــ 1919م بسبب الأحكام العرفية التى زاولها الإحتلال  بكل عنف  و فرضه الحماية البريطانية 1914م على مصر .
وبسبب نشأة محمد فريد نشأة  إسلامية جعله  شديد التدين فدفعه هذا للإنضمام لمصطفى كامل فى كفاحه وأصبحت سياسة محمد فريد الإسلامية هي سياسة مصطفي كامل التى تضمنت ضرورة وجود جامعة إسلامية تستظل بها الشعوب الإسلامية  ضد ما يسمى القومية العربية  التى إخترعها الإحتلال البريطانى لتفتيت الوحدة الإسلامية والإنقضاض على ولاياتها وفصل مصر عن الخلافة العثمانية  كما جاء فى كتاب محمد فريد  للرافعي  و بناء على هذا المبدأ إهتم محمد فريد في منفاه في أوروبا بإنشاء جمعية ترقي الإسلام  كما أصدر مجلة بالفرنسية للتحدث باسم هذه الجمعية وتعمل على نشر المقالات الإسلامية والأخبار التي تهم العالـم الإسلامـي  وفي إطار الإيمان بوحدة المسلمين  تحت سقف  الجامعة الإسلامية عمل على توثيق عري التعاون والتضامن بين الشعوب الإسلامية  وكان يدعوا إلى هذه الغاية في مقالاته وخطبه وأحاديثه وإنفرد محمد فريد بتأجيج  الإيمان  بوحدة العالم الإسلامى تحت حكم الخلافة العثمانية وخاصة أن محمد  فريد  مصرى من أصول تركية وهى التى ترفض الإنفصال عن الدولة العثمانية وترى أنها القوة التى تحمى المسلمين  فى إطار الخلافة الإسلامية  التى تصد إعتداءات الصليبين عليها  وهى الرابط  الذى  يجمعهم ضد الدول الصليبية التى تتكالب على ولاياتها وكان يدعوا إلى هذه الغاية في مقالاته وخطبه وأحاديثه وعمل على توثيق علاقة مصر بتركيا  لكي يحبط المساعي البريطانية التي ترمي إلى حمل الحكومة التركية بمختلف الوسائل على الاعتراف بمركز الاحتلال البريطاني في مصر فألف كتابًا عن تاريخ الدولة العلية العثمانية طبع سنة 1893م ثم أعيد سنة 1896م ثم مرة ثالثة في سنة 1912م ليثبت وضع مصر كولاية  داخل الدولة العثمانية مما يدل على ثبات موقف محمد فريد في هذا الصدد وقد ركز في كتابه على نقاط الجدل حول هذه الفترة المهمة التى شهدت العديد من التطورات على جميع الأصعدة السياسية  ويقول محمد فريد في مقدمة هذا الكتاب :  إن المُلْك العثماني قد لم شعت الولايات الإسلامية وإن التعصب الديني في الممالك الأوروبية قد قام لتفتيت هذه الوحدة وإن الدولة العلية ــ العثمانية ــ هي الحامية لبيضة الإسلام والمدافعة عن حرية شعوب الشرق والزائدة عن حياضه .
 وجعل محمد فريد من ضمن مبادئه وحدة وادي النيل لأن الإحتلال البريطانى عمل على سلب ممتلكات مصر وتقسيم أفريقيا بين الدول الأوربية وجعل السودان من  نصيبه ورغم أن السودان إرتبط  بمصر دينيا وروحيا  برباط الإسلام وخرج الأزهر الشريف دعاة  وكوادر علمية من السودانيين زادت من الإرتباط الروحى بين المصريين والسودانيين كما ارتبطت القلة المسيحية بكنيسة الإسكندرية  كما ربط بينهما نهر النيل ذلك الشريان الذى يغذى البلدين بالمياه فأصبح مشربهما واحد وعَدّ  المصريون السودان العمق الإستراتيجى لمصر إلا أن الإحتلال البريطانى عمد فى نشر الإشاعات وبث الكراهية بين شعبى البلدين تمهيدا لفصلهما فضح ذلك الإتفاق الذى نص على أنه لا يجوز عزل الحاكم البريطانى للسودان إلا بعد موافقة الحكومة البريطانية  كما نص على أن تشريعات القطر المصري لا تسري على السودان تمهيدا لفصلهما قانونيا لأن هذا يؤدى إلى عدم محاسبة كل من يخالف القوانين المصرية أو يرتكب جرما فى حق مصر فيفتح المجال واسعا للعملاء والمرتزقة للعمل ضد مصر بتنفيذ المخطط الصهيوصليبى لفصل السودان عن مصر  وإستخدم الإحتلال الجيش المصرى فى التصدى لثورة المهدى الوطنية مما أدى إلى حفر حفرة عميقة من الكراهية فى نفوس السودانيين ورغم هذا فقد قرر الإنجليز إعادة السودان إلى سيطرتهم في إطار حملة مشتركة تتحمل تكاليفها الخزانة المصرية  والتى يُعزى إليها إفلاسها حتى أن مصر باعت في سبيل هذه الحملة البواخر الخديوية وعددا من السرايات ــ القصور ــ والحدائق والأراضي وكل ما استطاعت بيعه للإنفاق على هذه الحملة كما جاء ذلك  فى أقوال اللورد كرومر  وهذا يدل على أن الحكومة المصرية لم تكن تملك من أمرها شيئا وأنها مجرد واجهة للمحتل أمام الشعب وهى تشبه فى هذا حكومة الإنقلاب التى تنفذ مطالب النفوذ الصهيوصليبى بدون أى مناقشة فكشف عن عمالتها لهذا النفوذ ورغم ذلك  فقد وقع بطرس غالي عن الجانب المصري على اتفاق السودان في 19 يناير 1899م  فظهر بذلك خيانته لمصر وللشعب المصرى ووقع اللورد كرومر  عميد الإحتلال  في مصر عن الجانب البريطانى على تلك الوثيقة  على أساس أن يكون حكم السودان مشتركا بين مصر وبريطانيا  لكن مما يدل على  إنفراد بريطانيا  بحكم السودان دون مصر المحتلة والضعيفة أن جميع سلطات السودان  تمركزت في يد الحاكم العام للسودان البريطاني الجنسية فزادت من  كراهية السودانيين للمصريين وخاصة بين العوام  الذين لا يدركون وقوع الجيش المصرى فى  قبضة الإحتلال الإنجليز لما قام به الإحتلال البريطانى من إنتهاكات ومضايقات للسودانيين باسم مصر   .

ولما كان محمد فريد من تلاميذ  الشيخ محمد عبده عالم الدين والفقيه الذى يعد أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي بهدف  القضاء على الجمود الفكري والحضاري  وإعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر والذى كان يرى أن البؤس والجهل والفقر من دعائم التخلف التى يستند إليها الإحتلال  فى دوام سيطرتهم على البلد كما يرتكن إليها الطغاة فى دوام طغيانهم وإحكام قبضتهم على الشعوب وأن لا إستقلال إلا بيقظة هذه الشعوب لتفهم ضرر الإحتلال ومساوئه فى الهيمنة عليها  لذلك دعا الزعيم الوطنى محمد فريد إلى وضع تشريع للعمال يراعي مصالحهم ويرفع عنهم البؤس والجهل والإرهاق فإهتم بإنشاء نقابات فوضع بذلك أسس الحركة النقابية في مصر وساهم بنفسه فى تأسيس أول اتحاد تجارى في عام 1909م وهى أول نقابة للعمال وعمال الصنائع اليدوية بالقاهرة وأنشأ لها ناد ببولاق لمتابعة أحوالهم والعناية بشؤونهم والعمل على ترقيتها ودفع محمد فريد إلى العمل فى هذا المجال الإجتماعى بإعتباره أحد العناصر الرئيسية فى مقاومة الإحتلال  ولذلك ساهم في إنشاء العديد من النقابات لأول مرة والعديد من الجمعيات التعاونية الزراعية والصناعية في القرى والمدن  ووجه محمد فريد تلاميذه إلى بذل جهودهم لدعم الحركة التعاونية والمشروعات الاقتصادية وإعتبر هذا عملاً وطنيًا من الدرجة الأولي لأن الإقتصاد هو العامل الرئيسى لنهضة الشعوب وتقدمها وتجلت جهود هذا الزعيم الوطنى الكبير في دعوته إلى تعديل الميزانية للإنفاق على إصلاح حالة الشعب والعناية بالصحة والأحياء الشعبية  كما جاء فى كتاب محمد فريد للرافعى  ولا شك أن الإهتمام بالحالة الحياتية للشعوب وإرتفاع المستوى المادى لها يؤدى إلى نضوجها ثقافيا وعلميا حيث يجد الوقت الكافى للتعلم وهضم الثقافة فيمكن لهذه الشعوب التمييز بين الضار والنافع ولذلك راعى الإحتلال الحفاظ على حالة الفقر والتدنى فى مستوى معيشتها حتى تنغمس فى استهلاك الوقت كله فى البحث عن المادة الضرورية  لتوفير القوت  الضرورى  لأبنائهم فلا يجد وقتا للثقافة أو للتعلم أو حتى لفهم الأوضاع السياسية فهما صحيحا وكذلك لا يدرك الفرق بين الديموقراطية وبين الديكتاتورية وإتبع النظام العسكرى فى مصر هذا المنهج من الإحتلال البريطانى فإتسعت على يديه  الطبقة  الفقيرة وأنهى الإنقلاب العسكرى 2013م على الطبقة المتوسطة التى حلت محل الطبقة الفقيرة بينما هبطت  الطبقة الفقيرة إلى ما يُسمى تحت خط الفقر وزاد عدد المتسولين زيادة كبيرة وأصبح هناك أعداد كبيرة من الشعب تأكل من المزابل ومخلفات الطبقة المهيمنة على ثروات وإقتصاد مصر بمباركة النفوذ الصهيوصليبى ودعمه وهو المنهج الذى إتبعه آل سعود فى السيطرة على موارد السعودية وإلقاء الفتات للشعب ولم يكشف عن ذلك إلا بعد الحركة الأخيرة لمحمد بن سلمان ولى العهد السعودى فى القبض على الأمراء بتهمة الفساد وإجبارهم على التسوية بالتخلى عن الجزء الأكبر من ثرواتهم التى إغتصبوها من الشعب والتى وضح منها الثراء الفاحش عند بعض الأمراء لدرجة لا يمكن تصورها وبدت ضخمة جدا عند البعض الآخر ولو أن هذه النظم مستقلة وديموقراطية لوجهت هذه الثروات للإرتقاء بالشعوب العربية التى بدت متخلفة لدرجة كبيرة كشف عن ذلك التدنى الشديد فى مستويات المعيشة عند بعضها والأمية الدينية والثقافية عند البعض الآخر والذى  كشف عنه  إنحياز طبقات العوام لنظمها العميلة  التى وقفت ضد ثورات الربيع العربى  .      
ولأن محمد فريد  مسلم عرف معنى الإسلام الذى يحض على عدم إستئثار طبقة بعينها بالثروات وبالمزايا المادية والعينية  وانطلاقًا من فهمه الصحيح للإسلام وإلتزامه بمبادئ هذا الدين الحنيف فإنه كان يرنوا إلى العدالة الإجتماعية وليس كما يدعى البعض : أنه إنحاز  إنحيازًا واضحًا إلى الفقراء والمستضعفين  وهذا واضح جدا فى دراسته للميزانية في اجتماعات الحزب الوطني ودعوته إلى تعديلها للإنفاق على إصلاح حالة الشعب والعناية بالصحة والأحياء الشعبية  ففي يوم 7 يناير سنة 1910م  قال محمد فريد :  إن هناك إهمال واضح للأحياء الشعبية وهناك عدم اعتناء بصحة الأهالي لدرجة مروعة إذ ثبت بالإحصاء أن متوسط الوفيات في السنة يتراوح بين 60 و80 في الألف مع أنها في مدن أوربا لا تزيد عن 25 في الألف مطلقًا وليس هذا لفقر الميزانية المصرية ولكن من إهمال مصلحة الصحة ــ وزارة الصحة ــ وصرفها المبالغ المخصصة لها في الأحياء التي يقطنها الإفرنج ــ الأوروبيون ــ وإهمالها لباقي الأحياء وهذا ما دعا مدام رينيه إلى القول بأن أفكار محمد فريد تكاد تكون متقاربة مع أفكار لينين حول استغلال الرأسمالية لطبقات الشعب كما جاء  فى الحديث صحفي معها  فى المصور  14 نوفمبر  1969م  وفي الحقيقة  أن اتفاقه في الأفكار مع لينين لا يرجع إلى إيمان محمد فريد بالماركسية بل يرجع إلى الفهم العميق لإشتراكية الإسلام ولم يكن كما إدعى البعض أنه يكره  الرأسمالية وأنه إنحاز للفقراء رغم كونه من أسرة  تتسم بالثراء  محاولين دعم هذا الخطل بأن الإسلام ينحاز إلى الفقراء هذا ليس صحيحا بكل تأكيد لأن الإسلام  يكره إستئثار أى طبقة  بالثروات والموارد فهو  يريد توزيع الثروة توزيعا عادلا بين الشعب فقيره  وغنيه طبقا  لتعاليمه فالإسلام لا ينحاز إلى أى فئة بل يعمل على الحفاظ على جميع الطبقات وكل الطوائف والأعراق ولا يمكن أن يكون هذا إلا بالعيش طبقا لشروط الإسلام نفسه بمقتضى هذه الآية الكريمة [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ] التوبة – الآية  103التى أوجبت التعاليم الإسلامية التى تنص على أن يأخذ الحاكم من الطبقة الغنية زكاة أموالها لينفقها على فقرائها ومعدميها ومرضاها طبقا للآية الكريمة  [ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] التوبة – الآية 60 إذن فالإسلام يكره إستغلال الطبقة الرأسمالية للشعوب  ولذلك فهو يعالج قضية الفقر ليس بحرب الرأسمالية وإنما بطريقة أكثر جدوى وعلمية من الماركسية والإشتراكية التى  حرمت الفرد من حقه الطبيعى للتملك كما حرمته أن ينال المقابل لنشاطه وكفاءته فى عمله وإنما جعلته هذه النظريات يعمل ليأكل فجعلت الأفراد عبيدا عند الدولة يدفنون معها طموحهم وهذا يقضى على التميز العقلى والبدنى عند الأفراد فيقصرون فى الإبداع فى الأعمال الإنسانية التى ترتقى بالشعوب لأن النشيط مثل  الكسول  والذكى مثل البليد  فالجميع يعمل ليأكل فقط ولذلك إنهارت كثير من الدول التى إتخذت هذه النظريات منهجا لأنها لم تدرك  طبيعة الإنسان فى حب التملك والطموح  ومن هذه الدول  الإتحاد السوفيتى ــ روسيا  حاليا ــ الذى إنهار بعد  أن تحررت منه كثير من القوميات لتؤسس دولا مستقلة وإختارت النظام الرأسمالى الذى يشبع رغبات الأفراد فى إحتياز الثروة وتلبية الطموح ولكنه يشيد نظام الطبقات التى تشتعل بينها الصراعات دائما بسسب إستئثار الطبقة الرأسمالية للثروات والمال والقوة بينما أصبحت الطبقة الفقيرة معدمة ولا تملك شيئا من هذا  وإغترت الدولة فى النظام الشيوعى أو الإشتراكى بهيمنتها على كل مناحى الحياة  بينما عاش الشعب تحت نظرية من لا يعمل لا يأكل بغض النظر عن مقدرته الجسدية أو العقلية وعاشت طبقة الحكام وحاشيتها  فى رغد من العيش  فلبسوا الحرير وإستخدموا أرقى أنواع العطور التى إستوردوها من فرنسا وركبوا السيارات الفارهة وأكلوا الكافيار وشربوا أجود أنواع الخمور ودخنوا أرقى أنواع السيجار الكوبى وجعلوا مصايفهم فى أجمل مناطق على سواحل البحر الأسود وأصبح الشعب كله كعبيد فى الدولة ولذلك إنهار إقتصادها وتفتت الدولة بينما وضع الإسلام الحل وهو أخذ زكاة الأموال من الأغنياء لصرفها على الفقراء فيذيب الحقد والحسد والصراع بين الطبقات ويستطيع الفرد أن يعمل لأجل نفسه ويحقق طموحاته ويجتبى الثروات بدون حدود بشرط أن يؤدى ما عليه من زكاة أموال قال عنه الفقهاء إنه حق الله ليكون فى وضع مقدس لا يمكن التلاعب به أو هضمه وقال علماء الإقتصاد لو جمعت أموال الزكاة من أصحاب الشركات والمصانع  والأثرياء والإقطاعيين ملاك الأراضى  الزراعية وملوك البترول لما وجد فقيرا واحدا أو محتاجا فى الوطن الإسلامى كله فهذه النظريات الوضعية  إنهارت الآن بعد إفلاسها ولو لجأت البشرية إلى الإسلام كحل لقضايا الظلم الاجتماعي لكان مصير البشرية الآن مختلفًا ولحصل الفقراء والمستضعفون على حقوقهم كاملة  ولأمنت طبقة الرأسمالية على نفسها وحافظت على مكاسبها  ولا شك أن هيمنة الرأسمالية على الدولة قد مكن المافيات الدولية من السيطرة على كثير من شؤون الحياة فمثلا مافيا الرقيق الأبيض يمكنها  دفع مبالغ طائلة لوسائل الإعلام لتزيين البغاء للنساء وتقديمهم للرجال لقضاء شهواتهم  باسم الحرية الشخصية وينعق الإعلام الغربى بأن الإسلام قيد حرية المرأة لكى تخرج المرأة سافرة تستعرض جمالها وزينتها وجسدها لتزاول الفجور فتقع ضحية للذئاب  تجنى  المافيات من ورائها  أرباحا هائلة وتنتشر الأمراض الخبيثة فى المجتمع فيضعف عن مقاومة الأعداء والمترصدين للوطن كما يكثر بها النسل الذى لا يعرف له  أبا ولا أسرة فتتولد عنده  روح الكراهية والإنتقام من المجتمع الذى حرمه من نعمة الأسرة والرعاية وهذا ما شاهدناه من أطفال الشوارع الذين تمكن الإنقلاب من تجنيدهم لضرب الثوار ومحاولة القضاء على الإخوان بإلقاء زجاجات المولوتوف لحرقهم ونهب مؤسساتهم مقابل خمسة جنيهات ووجبة غداء من كنتاكى الأمريكية  وهذا أدى إلى إثارة الفوضى فى الشارع والإضرار بالثورة وبالتالى بالنظام الديموقراطى  كما تستطيع  مافيا المال أن تجند بأموالها الإعلام لتوجيه الشعوب تجاه الحروب للهيمنة على الدول الضعيفة لإبتزاز ثرواتها عن طريق التهديد الدعائى بإستخدم القوة أو العمل على قلب نظام الحكم بواسطة العسكر العميل الذى يسانده رجال الأعمال الفاسدين والمستفيدين ماديا من الفساد والإتيان بأنظمة عميلة لا تخدم شعوبها وتعمل على سرقة ثرواتها وإقتسامها مع هذه المافيات تحت عناوين كبيرة مثل التعاون الإقتصادى أو العسكرى أوالإستثمار أوالشركات ولذلك إهتم  محمد فريد بالإقتصاد لعلمه أنه  أساس إستقلال الدول ونهوضها ولذلك دعا إلى مراعاة الحكومات مصالح البلاد الإقتصادية  عند عقد المعاهدات التجارية والاهتمام بالحاصلات الضرورية للفقراء وعدم فرض ضرائب عليها بل يجب فرض الضرائب والجمارك على المنتجات الأجنبية لتشجيع الصناعة الوطنية  وليس من المعقول أن تفرض على القمح والدقيق نفس الضرائب التي تؤخذ على الخمور  بل ليس من المعقول أن تفرض الحكومة ضريبة 80%على المغازل المصرية في حين تعفي صناعة الخمور منها .
وكان من وسائل  محمد فريد لتحقيق  أهدافه العظيمة  تعليم الشعب وتنويره ليكون أكثر بصرا بحقوقه وأوعى لما يحاك ضده من مؤامرات وتكتيله فى تشكيلات ليكون أكثر قوة وإرتباطا أمام الطغيان أو الجيوش المعادية  فوجه عنايته  لإنشاء الجمعيات الخيرية بهدف تأسيس المدارس  وسعي إلى  إنشاء مدرسة ثانوية فى كل مركز  و عمل على  إنشاء مدارس الشعب الليلية  فى الأحياء الشعبية لتعليم الفقراء والصناع مجانا وقام بالتدريس فيها رجال الحزب الوطنى وأنصاره من المحامين والأطباء الناجحين وقام بجمع متطوعين من كُتّاب وأدباء وغيرهم لكي يقوموا بتعليم الناس حتى يستطيعوا فهم ما يحدث في بلدهم ويصبحوا قادرين على المطالبة بحقوقهم وتتجلى جهود محمد فريد فى إهتمامه بالتعليم  لتثقيف الشعب وإنشاء مدارس لتعليم الأميين من كبار السن ولسائر فئات المجتمع  لأن الناس في ذلك الوقت كانوا بسطاء في معظم أحياء القاهرة وريف مصر  وأسس العديد من هذه المدارس في القاهرة والبنادر وكان يدعو دائمًا إلى تعميم التعليم الابتدائي وجعله مجانيًا وإلزاميًا لكل مصري ومصرية ولهذا كان محمد فريد من أهم العناصر المؤسسة لمشروع الجامعة المصرية وإكتتب في مشروع الجامعة المصرية بمبلغ مائتي جنيه سنويا  وساهم فى نشر العلم والمعرفة بإصدار  كتابه  البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسسي العائلة الخديوية ترجمة وتحقيق أحمد زكريا الشلق في عام 1891  وفي عام 1894 أصدر كتاب  تاريخ الدولة العلية العثمانية وكتاب من مصر إلى مصر – رحلة سنة 1901م   وبدت ميوله واضحة في التأليف إلى جانب كونه مؤرخًا بارعًا إذ قام بكتابة مؤلفات قيمة تزدان بها المكتبة العربية مثل كتاب أسرة محمد علي  وكتاب تاريخ الرومانيين .   

و بعد موت الدون جورست المهادن 1911م وتولى كتشنر الذى أعاد  قبضة الإحتلال الحديدية على مصر وعمل على فصلها   عن الدولة العثمانية  وفرض الحماية عليها 1914م   وإعلان الأحكام العرفية أخذت السلطات الإنجليزية تتعقب  محمد فريد في كل تحركاته  مما سبب الضيق  للزعيم الوطنى وكانت  قد إعتقلته مرة أخري عام 1912م  فأدرك  خطورة بقائه فى مصر وآثر الخروج من مصر في 26 مارس 1912م   وغادر  البلاد إلى أوروبا سرا ومتنقلاً بين تركيا و فرنسا و ألمانيا إلى أن وافته المنية يوم 15 نوفمبر من عام 1919 بعد أن رأى ثمار مجهوداته تُطرح في الساحة المصرية بإشتعال لهيب ثورة 1919م والتى جعلت البسمة تعود إلى وجهه الحزين  بعد أن رأى نتيجة كفاحه فبارك قيام هذه الثورة بإرسال برقية تهنئة لسعد زغلول وفي الحقيقة إنه لولا تلك الجهود التي بذلها الحزب الوطني بقيادة الزعيم الوطنى محمد فريد وقيادته الثورية لما نشبت ثورة 1919م  فمما لا شك فيه كانت الفترة من 1908 ـ 1912 م وهى الفترة التى خرج فيها محمد فريد من البلاد كانت  فترة نضوج ثوري بعد جهود الحزب المخلصة في تحريك الشعب المصرى وتوعيته بضرورة ممارسة العنف الثوري الذي تجلي في الحوادث العديدة التي شهدتها مصر منذ 1910م إلى 1915م و رغم أن  الأطباء نصحوه  بالراحة إلا أنه لم يهدأ بل إستمر في الدفاع عن قضيته ورسالته وبعدها نام الزعيم الوطنى الكبير النوم العميق في وادي الراحة الأبدية بعد أن إشتد عليه المرض راضيا كل الرضا بنتيجة عمله الوطنى العظيم حيث توفي ببرلين  فى  15نوفمبر 1919م وحيدا  فقيرًا بعد أن أنفق كل ثروته فى الكفاح الوطنى لأجل مصر ودُفن هناك بعيدًا عن أحضان الوطن الذي أخلص له  حتى أن أهله بمصر لم يجدوا مالا كافيا لنقل جثمانه إلى أرض الوطن ولكن الأقدار جاءت بشخصية وطنية عظيمة هو الحاج خليل عفيفي إبن الزقازيق و تاجر الأخشاب الشهير الذى نقله بنفسه على نفقته الخاصة وظل قابعًا بجانب الجثمان طوال الرحلة إلى أن عاد للوطن ولوطنيته الأصيلة في الغيرة على أبناء الوطن المخلصين  منحته مصر نيشانا رفيعا .
فإذا كان مصطفى كامل يمثل  العقل  المفكر  للحركة الوطنية فمحمد فريد المتفرد في كل مزاياه والمبدع هو الروح العملية لهذه الحركة الوطنية في سبيل نيل الاستقلال المنشود وتقديرا لجهوده العظيمة فى سبيل مصر أقيم له  تمثال فى ميدان  أطلق عليه إسمه بالقاهرة تخليدا لذ كراه رحم الله الفقيد الوطنى العظيم وأدام ذكراه العطرة التى  ملأت جو  مصر بأريج الوطنية  وأصبح كل من يستنشقها وطنيا بالإطلاع على  أعماله العظيمة وتضحياته التى جعلته فى موكب الخالدين   . 
 
 

37,503 عدد المشاهدات