فساد يعنى سقوط دولة فى يد إحتلال طامع متربص وحيوية شعب

بقلم المؤرخ الكبير
 دكتور عبد الفتاح المصرى 
منحة الله لشعب مصر بعد  المحنة  “الحلقة الحادى عشر” 
ثانيا : “مولد بطل” 
دقات قلب المرء قائلة له       *   إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها  * فالذكر للإنسان عمر ثان
إنطوى الشعب المصرى بعد هزيمة البطل المصرى أحمد عرابى على  آلامه وأخذ يجتر خيبته وإنتشرت حالة اليأس الشديد بين الناس وأعدوا   أنفسهم لحالة إحتلال طويل لا يدرون كيفية الخلاص منها وبات بكافة طوائفهم فى كرب شديد وراحوا فى غيبوبة الإستكانة أمام إحتلال بريطانى شرس وسلطان عثمانى ضعيف ضيع الأمانة وإسنسلم  أمام إحتلال إحدى ولايات دولته وخديو خائن تحالف مع الإحتلال كما نشاهد اليوم من تحالف النظم العربية الضعيفة مع النفوذ الصهيوصليبى القوى وقصر أصبح رهن أمر المحتل ووضع نفسه تحت حمايته وإقطاع رضى أن ينضوى فى معية الإحتلال ويتعامل معه  إقتصاديا رغم ما لحق به من خسائر وهذا يشبه حاليا العسكر وطبقة رجال المال والأعمال التى رضيت بأن تدور فى فلك الإقتصاد  الصهيونى المستغل مكتفية بالفتات المتخلف من موائد القوى الإقتصادية العظمى كما رضيت أن تتولى الوظائف تحت إدارة هذا المحتل دون أى خجل وأصبح الإقتصاد بمؤسساته فى قبضة الأجانب بينما إكتفى الشعب المصرى بفقره والقيام بدور المستهلك وبات الشعب فى إنتظار الخلاص ولكن كيف الخلاص والإحتلال عمل على نفى قادته وزعمائه وسجن بعضهم وحجر على البعض الأخر وهو نفس ما قام به العسكر فى مصر عقب الإنقلاب  2013 م  من قتل الثوار وإعتقال القادة وتصفيتهم تحت التعذيب وهروب البعض الآخر خارج  البلاد وكيف لشعب أن يتخلص من الإحتلال أو يثور أو يحتج بدون زعماء وقادة حراك أو فكر .

وأمام هذا الظلام الدامس لليل طويل شديد الظلمة ويأس شديد خيًم على  الأمة ولد مصطفى كامل في 1 رجب عام 1291 هـ الموافق 14 أغسطس عام1874م في قرية كتامة التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية فكانت ولادته منحة ربانية لرجل بلغ الستين  من عمره وهدية من الله للشعب المصرى وقد أعد الله لهذا الوليد بيئة تزخر بالوطنية تربى على إيقاعها  حتى يكون على أهبة الإستعداد لإخراج  شعبه من حالة اليأس الذى ظل به  وقتا طويلا  بعد أن رأى فى سنى  طفولته مصرع وطنه تحت أقدام الغزاة وذلك بقيامه بنشر الوعى بين الناس للتصدى لأكبر عتاة الإحتلال ولذلك كان شعاره دائما لمحاربة هذا اليأس أن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس فالأمل هو الروح التى تحرك الشعوب نحو المستقبل وهو الدليل على حيوية الشعوب  والطريق إلى الحرية  .
قبعت هذه القرية التى شرفت بمولد مصطفى كامل فى محافظة الغربية وهى قرية سكنتها قبيلة كتامة الأمازيغية الأصل التى أتت مع جوهر الصقلى قائد جيوش الفاطميين وهى واحدة من أهم بطون قبيلة البرانس الكبيرة إحدى قبائل الأمازيغ الشهيرة التى  إنتشرت إنتشارا كبيرا فى دول المغرب العربى والذين يعرفون تاريخيا باسم البربر barbarian أى الهمج الخارجين عن نطاق الحضارة الرومانية وهو الإسم الذى أطلقه عليهم الرومان وتمتد أصولها أيضا في منطقة القبائل وما حولها فى الجزء الشرقي من دولة الجزائر وهى المنطقة التى تتميز بالجبال والهضاب العالية الخصبة والتى أكسبت قبائلها صلابة دعت الفاطميين إلى تكوين معظم جيوشهم منها وتم فتح مصر على أيديهم وتأسيس الدولة الفاطمية في العصور الوسطى909 هـ / 1171 م وأصبحوا عصبة للحكام الفاطميين وأصحاب دولتهم وقد ورث مصطفى كامل حبُّه للنضال عن أجداده من قبيلة كتامة الأمازيغية قوية الشكيمة وفتح عيونه على بلده العزيز مصر محتلا  وفى قبضة الإحتلال البريطانى الذى يسوم أهله الظلم والقهر فنراه يجلس مع أقرانه من الصبيان فى مجالس الرجال فيسمع كل ما يرويه والده من أحداث تتصف بالعنف والعسف الشديد للشعب المصرى على يد المحتل البريطانى فتشد إنتباهه إليها ويتأثر بها وينفعل بها لشدة حبه لبلده فيغضب أشد الغضب لما يصيب شعب مصر من هوان على يد هذا المحتل المتعجرف ويختزن فى ذاكرته كل ما يسمعه أو يراه لنباهته ويؤلمه أن يكون بلده محتلا لشدة عشقه للحرية التى ورثها عن أجداده الأمازيغ وهم الذين قاوموا حكم الرومان ثم القوط  المحتلين بشراسة شديدة دون فتور فى بلادهم الممتدة فى دول المغرب العربى لأن هؤلاء الرومان وورثتهم القوط  كانوا يخطفون أولادهم لبيعهم كعبيد للسادة الرومان ويخطفون نساءهم أيضا لبيعهن فى سوق المتعة لتميزهن بالجمال الصارخ فكان مصطفى كامل فى أثناء دراسته دائم الصدام مع كل من لا يمت بالولاء للوطن أو يظهر رضاه  تجاه إحتلال وطنه فكأنه يريد لجميع المصريين أن يكونوا وطنيين ومقاومين للإحتلال ولذلك قامت إدارة المدرسة بعدها بإبعاده عنها بسبب ما يحدث من صدام بينه وبين زملائه أو مدرسيه الراضين عن الإحتلال وهكذا ظل يتنقل من مدرسة إلى أخرى حتى وصل عدد المدارس الإبتدائية التى إنتقل إليها ثلاث مدارس وهو ما يحدث اليوم من صدام  بين مؤيدى الإنقلاب الصهيوصليبى وبين الوطنيين من أبناء مصر الذين تميزوا بحب الحرية والديموقراطية  مما أدى إلى التنابذ والصراع بينهما ذلك التنابذ إشتعل بسبب رضا فئة من الشعب عن الإنقلاب الذى تم بواسطة أدوات النفوذ الصهيوصليبى من العسكر على إرادة الشعب وهم الذين إستهوتهم العبودية  .
 وقد أدى نبوغ مصطفى كامل فى الدراسة إلى  صقل وطنيته وقد دفعه هذا النبوغ إلى إلتحاقه مبكرا بالمدرسة الخديوية الثانوية أفضل مدارس مصر فى ذلك الوقت وهى المدرسة الوحيدة المعروفة بتميزها علميا آنذاك وظهرت شخصية مصطفى كامل كوطنى عشق مصر وحارب من أجلها دون أن يمتلك أى سلاح إلا سلاح الكلمة التى تخرج من روح وطنية جارفة أثرت بشدة فيمن سمعه وعضدها بثقته فى نفسه وإيمانه بحقه فى وطن حر يعيش فيه مع شعب كريم لذلك كان دائم القول : نريد أن نعيش أحراراً في أوطاننا  كرماءً مع ضيوفنا وهو بهذا أراد أن يحافظ على غير المصريين بطمأنتهم على أرواحهم وأموالهم وأوضاعهم التى إكتسبوها خلال فترة طويلة من التاريخ إستوطنوا فيها مصر لأن الإحتلال إستند فى قانونية تواجده على حماية الجاليات الأجنبية التى تعيش فى مصر لكى يمد جذوره فيها وهى نفس المقولة التى إستعارتها الكنيسة من مصطفى كامل بأن على الوطنيين حق إكرام ضيوفهم تقصد بذلك أن الوطنيين هم  النصارى وأن الضيوف هم المسلمين لزرع هذه الفكرة فى نفوس طائفتها من النصارى إعتمادا على أن الدين الإسلامى جاء من الخارج متناسية أن النصرانية أصلا جاءت من الناصرة أى أنهم طبقا لهذه الفكرة تكون الطائفة النصرانية غريبة عن مصر وتتمتع بواجب الضيافة من المصريين يؤيد ذلك أن غالبية الشعب المصرى مسلمة وأن ما ينقض فكرة الكنيسة أن  الطائفة النصرانية ضئيلة بالنسبة للمسلمين ويعضد ذلك أن الإحتلال  إستند  فى دوام إحتلاله لمصر على حماية  طائفة نصارى مصر القليلة العدد من الأغلبية المسلمة مما أضر بالوحدة الوطنية ضررا كبيرا ولا شك أن مصطفى كامل أراد بهذه الإستراتيجية دحض دعوى الإحتلال والمحافظة على صلة مصر بالدولة العثمانية حيث تواجدت فى مصر عائلات تركية للحكام أو الضباط والجنود العثمانيين وبحكم نشأته الدينية وتمشيا مع رغبة غالبية الشعب المصرى فى ذلك الوقت وهى الرغبة التى تبلورت فى عدم الإنفصال عن الدولة العثمانية على إعتبار أن السلطان العثمانى خليفة رسول رب العالمين  مما حتم ضرورة  بقاء شعب مصر فى كيان الدولة العثمانية لضمان سلامته  فى إطار التوازن العام للدول الإسلامية مقابل الدول  الصليبية وأن دوام سلطانها سلامة أمم الشرق أمام أمم الغرب  وأن زوالها  مجلبة للأخطار ومشعلة لنار يمتد لهيبها بالأرض من جميع الجهات وأن هدم هذه المملكة القائمة بأمر الإسلام يكون داعية لثورة عامة بين المسلمين وحرب دموية لا تعد بعدها الحروب الصليبية إلا معارك صبيانية وأن الذين يدعون لخير النصرانية في الشرق يعلمون قبل كل إنسان أن تقسيم الدولة العثمانية أو حلها وهو الأمر الذى عمل عليه  الغرب الصليبى  سيكون الضربة القاضية لمسيحيي الشرق عمومًا قبل مسلميه ولذلك أجمع العقلاء البصيرون بعواقب الأمور على أن دولة آل عثمان لا تزول من الوجود إلا ودماء المسلمين تجري كالأنهار والبحار في كل واد وهو ما حدث فعلا إذ تقام المذابح للمسلمين فى كل بلد وتسيل دماؤهم كما حدث من الإحتلال الفرنسى فى الجزائر وكما حدث من الإحتلال اليهودى فى فلسطين وكما حدث من الإحتلال الإيطالى فى ليبيا والإحتلال الإنجليزى فى مصر .
وكما يحدث الآن من مذابح على يد أمريكا وحلفائها فى سوريا والعراق واليمن وكما يحدث على يد أدواته فى أفريقيا الوسطى وفى ميانمار من قظائع  تقشعر لها الأبدان بدفن المسلمين أحياء وهم يصيحون بمقالة التوحيد أو قتتلهم وسلخ جلودهم أو إحراقهم فى النار وكذلك يحدث مثله فى افريقيا الوسطى  على يد النصارى تحت إشراف الكنيسة وفى ميانمار يقتل البوذيون المسلمين بقيادة الكاهن الأعظم تحت إشراف الدولة ويرى البعض أن هذه جريمة البوذيين وحدهم ولا دخل للنفوذ الصهيوصليبى بها ولكن التاريخ يؤكد أن عقيدة البوذية هى المحافظة على الأرواح لكن منذ أن دخل الإحتلال البريطانى الهند وشرق آسيا وهو ينشرالفتن  بين الهنود الهندوس وبين إخوانهم المسلمين مما أدى إلى تقسيم الهند بينهما وفى ميانمار تمكن البريطانيون من تجنيد ملك ميانمار فى قتل الروهنجيا وضم بلدهم اراكان اليه ثم بدأ تصفيتهم الآن بقيام الجيش وحشود من البوذيين  بمهاجمة المدنيين وحرق قراهم وتدمير منازلهم في حملة لدفعهم إلى النزوح خارج البلاد بهدف الإستيلاء على أراضيهم متعللين بإستهداف مسلحي الروهينجا الذين يهاجمون المدنيين !!
بينما فرضت السلطات البوذية   قيودا على الدخول إلى المنطقة مما أدى إلى صعوبة التحري بشكل مستقل عن حقيقة الوضع على الأرض  وتستطيع ان تتبين الأيادى الصهيوصليبية فى هذه المذابح من فهمنا للعلاقة بين منح رئيسة الوزراء أونغ سان سو كي وبين ما يحدث من مذابح  فهى نالت جائزة نوبل للسلام بسبب معاداتها للدكتاتورية ولما تزوجت مايكل إيرس وهو مسيحى أوربى تغيرت أفكارها تجاه السلام  الذى هو أحد عناصر الديانة البوذية التى كانت تؤمن بها فمن الطبيعى أن يجرنا ذلك إلى فهم علاقتها   بالقوى الصهيوصليبية وكون جائزة نوبل تحت سيطرة الصهيونية العالمية ولا تعطى إلا لمن يؤدى خدمات للصهيونية العالمية والكيان اليهودى المحتل لدولة فلسطين العربية فمثلا تم إعطاء السادات جائزة نوبل مناصفة يبنه وبين اليهودى القاتل السفاح مناحم بيجن لأنهما قاما بعمل إتفاقية بخست حق الشعب المصرى ومنحت الجانب اليهودى مالم يكن يحلم به من الأمان بتقسيم سيناء إلى مناطق نزعت من بعضها السلاح لتكون مسرحا للكيان الصهيونى بدون عائق وكذلك منحتها للعالم المصرى أحمد زويل لجهده فى تطوير منظومة حائط الصواريخ اليهودية كذلك والحال هكذا يمكن أن نقول أن هذه السيدة المجرمة تعمل وفق المخطط الصهيوصليبى فى القضاء على المسلمين طالما أن الجائزة صادرة بإذن الأمم المتحدة التى هى عبارة عن سكرتارية للنفوذ الصهيوصليبى والتى هى سيف مسلط على رقاب المسلمين  ومن الواجب على منظمة نوبل العالمية سحب جائزتها للسلام  منها وفقا لطلب  المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) وتمنح جائزة نوبل سنويا في العاصمة النرويجية أوسلو في العاشر من ديسمبر من قبل اللجنة النرويجية لجائزة نوبل ،لأنها أثبتت أنها غير جديرة بها لقيامها بالمذابح.

وترى بريطانيا أن إحتلالها لمصر كان ولا يزال سببًا للعداوة بينها وبين الدول العثمانية لأن المملكة العثمانية لا تقبل مطلقًا الاتفاق مع بريطانيا على بقائها في مصر ولذلك رأت بريطانيا أن بقاء السلطنة العثمانية يكون عقبة أبدية في طريقها ومنشأ للمشاكل والعقبات في سبيل إمتلاكها لمصر وأن خير وسيلة تضمن لها البقاء في مصر وبقاء يدها على وادي النيل هي هدم السلطنة العثمانية ونقل الخلافة العثمانية إلى أيدي رجال يكونون تحت وصاية بريطانيا ويكونوا آدوات في أيديهم ولذلك أخرج البريطانيون مشروع الخلافة العربية مؤملين به إستمالة العرب لهم وقيامهم بالعصيان في وجه الخلافة العثمانية ونجحوا فى ذلك إذ أقامت آل سعود كحكام فى  الجزيرة العربية ليكونوا أداة تعمل على ضرب الخلافة العثمانية وتفتيتها ولذلك أخذ البريطانيون ينشرون في جرائدهم أيام الحوادث الأرمينية مشروع تقسيم الدولة العثمانية جاعلين لأنفسهم السلطة العامة على المسلمين باحتلال مصر وبلاد العرب مما يعنى بالضرورة  تفتيت النظرية الإسلامية التى تدعو إلى إتحاد المسلمين تحت راية واحدة التى هى راية الخلافة وذلك بقيام الدول الصليبية بإحياء النعرات الطائفية والعرقية والدينية والمذهبية وكذلك قاموا بتجنيد عملاء من الشعب المصرى لنشر نظريات العلمانية والليبرالية والشيوعية لتمزيق وحدة الشعب المصرى إلى أحزاب وشيع مختلفة  وكذلك لنشر نظرية القومية لتشجيع الإنفصال عن الدولة العثمانية مستغلة عامل إختلاف العرق بين المصريين والترك وهو ما يثيره اليوم النفوذ الصهيوصليبى بين طوائف الدول لتمزيق وحدتها كما يحدث فى العراق وسوريا واليمن ومصر.
وقد باتت الدولة العثمانية دولة ضعيفة بسبب سيطرة عسكرها العميل للقوى الصهيوصليبية والذى تردى فى مهاوى العلمانية المقيتة التى سلبت منه روح المقاتل ووضعت مكانه جيشا خائر القوى كجيش مصر  تماما الذى كان سببا فى تخلف الدولة وترديها حيث لا يفلح العسكر حيث أتوا بسبب طبيعتهم الجشعة وجهلهم بالسياسة العالمية والإقتصاد  وفقدانهم للمؤهلات التى تعالج قضايا المجتمع الذى بنهضته يكون قوة للجيش نفسه وأصبح هذا الجيش يدير المؤامرات والصراع على الحكم ونسوا مهمتهم الأساسية وهى الدفاع عن البلد وحمايته من الأعداء ولذلك تكررت هزائمه على كافة الجبهات وتكالبت الدول الصهيوصليبية إنجلترا وروسيا وفرنسا واليونان وبعض الدول الأوربية على تركيا لإسترداد القسطنطينية  ـ إستامبول حاليا ـ  والقضاء على تركيا ليأمنوا جانبها رغم أن أتاتورك رجلهم العلمانى الذى ألغى الخلافة العثمانية وتخلى عن حماية ولاياتها العربية والإسلامية لتقع تحت الإحتلال الصهيوصليبى إلا أنه لم يسلم من مكرهم فشحنوا أقرب جزيرة لإستامبول بأسلحتهم ومدافعهم ودباباتهم ومعداتهم وجيوشهم وإمتلؤوا بها غرورا وثقة فى سحق تركيا المريضة  فسارع أتاتورك ونائيه عصمت إنينو بتجنيد رجال عصابات من الترك تمكنوا من تفجير الجزيرة بما عليها وإنتصرت تركيا على هذا التحالف الصليبى ولم يأبه أتاتورك لجيشه الضعيف الذى نزعت منه العلمانية الإيمان ففقد على أثره روحه طبقا للمخطط الصهيوصليبى وبسبب هيمنة الجيش على شؤون الحكم أصبح السلطان عبارة عن خيال ظل ورمْز لبقية مجد زائل وأمام طوفان الإحتلال الذى جرف البلاد الإسلامية والعربية وضعف الدولة العثمانية المشين لم يتبق إلا الجانب الروحى الذى ربط الولايات العربية والإسلامية ومنها مصر بالدولة العثمانية لأنها تمثل الخلافة الإسلامية التى يعتز بها المسلمون .
وعلى الجانب السياسى برز ذكاء مصطفى كامل فى التعامل مع هذه القضية إذ نادى حزبه برابطة أوثق بالدولة العثمانية ليفوز بتأييدها فى حركته ضد الإحتلال البريطانى وليضمن بذلك تأييد شعب مصر وتعضيده لحركته وإنضمامه لها نادى بأن مصر للمصريين أجمع وقال : أن على حامل اللواء أن يجدّ ويجتهد حتى ينصهر داخل العمل الوطني فلا تستطيع أن تقول إلا أنه جزء من الشعلة وإعتمادا على موهبته الفذة فى الخطابة أسس جماعة أدبية وطنية أثناء دراسته في المدرسة الخديوية ليخطب من خلالها ناشرا الوعى الوطنى بين زملائه ولإقباله على العلم الذى تلقاه بكل شغف تفوق فى دراسته فهو يعلم أن قضية مصر تحتاج إلى العلم والمعرفة ليمكنه الدفاع عنها ودحض كل الحجج التى يسوقها جهابذة القانون للإحتلال البريطانى بينما الجهل يؤدى إلى الهزيمة أمام عدو متمرس بالكذب والخداع يمتلك حجج بالغة البراعة يرددها العامة دون وعى كما يرددون الآن حجج الإنقلاب الرديئة والتى لا يمكن لأحد تفنيدها إلا المثقف ثقافة قانونية وعالم بأساليب الخداع فتقوم القوى الصهيوصليبية بإحتلال بلده مستغلا جهل شعوبها بنواياه الحقيقية وهو نفس العمل الذى قام به  العسكر فى مصر الذى إستغل جهل العامة بإخفاء نواياه الحقيقية عنهم وإنطلت حيلته عليهم فتمكن من عمل الإنقلاب دون أن يدرى هؤلاء المخدوعون بسبب جهلهم الشديد أن الإنقلاب كان ضد إرادتهم ليحكمهم بعد ذلك كشعب مسلوبى الإرادة لا يملك من أمره شيئا ولذلك إجتهد مصطفى كامل فى تحصيل  العلم وعمل على نشره بين طبقات الشعب الفقيرة التى صممت طبقة الإقطاع المصرية على حرمانها منه وهذا يطابق تماما المخطط الصهيوصليبى الذى يرى عدم توعية الشعوب بالعلم حتى يمكن إحتلال بلادها بدون مقاومة وهو ما نادى به أدواته من العلمانيين بأن أبناء الفقراء لا يجوز أن يتعلموا إلا فك الخط  .
وإجتهد مصطفى كامل  فى دراسته فحصل على الثانوية وهو في السادسة عشرة من عمره ولم يجد كلية يلتحق بها تناسب تطلعاته إلا كلية الحقوق التى كانت تدعى فى ذلك الوقت بمدرسة الحقوق فإلتحق  بها سنة 1309 هـ / 1891 م لأنها كانت مدرسة الكتابة والخطابة في عصره وهى التى  تخرج منها معظم الزعماء السياسيين ورواد الوطنية والكتاب والأدباء والصحفيون ولكى يصقل وطنيته وقدراته الخطابية إلتحق بجمعيتين وطنيتين تعرف فيهما على عدد من الشخصيات الوطنية والأدبية من هذه الشخصيات إسماعيل صبري الشاعر الكبير ووكيل وزارة العدل و خليل مطران الشاعر الكبير وبشارة تقلا مؤسس جريدة الأهرام ساهم فى هذا تنقله بين عدد آخر من الجمعيات وبإحتكاكه بهؤلاء إتسع أفق المعرفة لديه فصنع منه زعيم سياسي وكاتب مصري متضلع فى كثير من فنون السياسة فاهما لإستراتيجية الإحتلال التى تمزق الشعوب التى تحتلها إلى طوائف وشيع متناحرة وواعيا لإستغلال الإحتلال لثروات البلاد  التى يحتلها  وإستنزافها كما يحدث اليوم من إستنزاف الذهب من منجم السكرى  الواقع  في صحراء النوبة بالصحــراء الشرقية على بعد 30 كم جنوبي مرسى علم في محافظة البحر الأحمر المصرية  ويحوى هذا المنجم  14.5 مليون أونصة، مقدّراً قيمتها بنحو 20 مليار دولار، طبقاً لأسعار الذهب الحالية أنتجت منها 83 طناً من الذهب بقيمة 2.7 مليار دولار منذ كانون الثاني/ يناير 2010 م طبقا لما أعلنه عــلي بركــات رئيـــس شركة  السكـــري  للذهب والمعتقد أن هذا البيان لا يمثل الواقع ولا يعتد به كثيرا فهناك بيانات تتناقض معه وأكبر من هذا الرقم بكثير  ومع ذلك لم ترى مصر منها شيئا وهى على الأرجح هربت خارج البلاد مع أنه  كان يتطلب سد عجز الميزانية منه ودعمها لكى ينقذ الجنيه المصرى من الإنهيار .
 كان على مصطفى كامل أن يكمل تعليمه فى الخارج ليتزود بنفس السلاح القانونى الذى يشهره العدو فى وجه الوطنيين بأحقيته فى إحتلال مصر لكى يتمكن من الرد على إفتراءات الإحتلال فترك مصر ليسافر إلى باريس فى 23   يونيو سنة  1311 هـ /  1893م لكى يؤدى إمتحان السنة الأولى بكلية الحقوق وقد نجح فى الإمتحان لذكائه وإتقانه اللغة الفرنسية ليكمل بقية سنوات دراسته  ثم إلتحق بعد عام بكلية حقوق تولوز وإستطاع أن يحصل منها على شهادة الحقوق وتمكن خلال ذلك من التعرف على أوجه الحضارة الأوربية وسير الحياة فى فرنسا التى إتسمت بكثير من الحرية والديموقراطية لكى ينقلها إلى بلده التى ضيقتها النظم الحاكمة فى مصر كما تعرّف على بعض رجال وسيدات الثقافة والفكر في فرنسا ومن أبرزهم جولييت آدم الكاتبة الفرنسية الشهيرة ذات النفوذ الكبير فيها  مبتدئا هذه العلاقة الروحية فى12 سبتمبر 1895م التى كان لها أعظم الأثر فى إزدهار كفاحه من أجل مصر ففتح بمساعدتها نافذة فى أوربا إستطاع  من خلالها  نشر قضية بلده العزيز أمام الرأى العام الأوربى  وأصبح من الأسماء المصرية اللامعة فى أوربا منذ أن  فتحت صفحات مجلتها لانوفيل ريفو  ليكتب فيها كما قدمته لكبار الشخصيات الفرنسية فألقى بعض المحاضرات فى عدد من المحافل الفرنسية ليصحح مفاهيم كثيرة خاطئة زرعها الإعلام الغربى فى عقول مواطنيه وهذا التصحيح الذى قام به مصطفى كامل للمفاهيم الخاطئة جر عليه نقمة بريطانيا فتعرض لهجوم الصحافة البريطانية فدل ذلك على أن الصحافة البريطانية لم تكن نزيهة فى عرض قضية إحتلال مصر كما لم تفكر فى أن تكون فى جانب الحق والعدالة إيمانا بحرفية العمل الذى تقوم به والحفاظ على أمانة الكلمة وإنما هى عبارة عن أداة لخدمة الإحتلال لتحقيق أغراضه الدنيئة  بإحتلال الشعوب الضعيفة ذات النظم المتدنية والقيام بسرقة ثرواتها وهو نفس الدور الذى تؤديه حاليا صحافة الوطن العربى كأداة لخدمة النظم الحاكمة العميلة إذ تقوم بتضليل الشعوب  وتغطى على سرقة هذه النظم لثرواتها والتى تقوم بإنفاقها على ملذاتها وشهواتها ودفع الأموال الطائلة سواء للكيان اليهودى أو دول النفوذ الصهيوصليبى حارمة شعوبها من الإستفادة بهذه الثروات بإستثمارها فى تنمية بلادها علميا وثقافيا وصناعيا لتظل دائما رهينة للجهل والتخلف فتصدق كل ما تقوله هذه الصحف القميئة وإعلامها المأجور وكذلك قام مصطفى كامل بزيارة عدد من دول أوربا  منها برلين فى نطاق حملته السياسية والدعائية ضد الاحتلال البريطانى وسافر للدولة العثمانية حيث تم منحه لقب باشا لدوره فى الدفاع عن حق الدولة العثمانية فى مصر ولما عاد إلى مصر حاملا الشهادة العليا فى الحقوق بدأ حياته العملية كمحامي مبتديء بدلا من الوظيفة الحكومية والتي كانت في رآيه أنها ستضعه تحت سيطرة الإحتلال البريطاني وإعتمدت خطة عمله حول مطلبين : جلاء قوات الإحتلال البريطانية وإعلان الدستور وأصبح  من حقه أن يحمل لقب باشا الذى ميزه عن العامة من الناس ويكون ندا للساسة الكبار والصحفيين والكتاب فسطع نجمه في سماء الصحافة وإزدانت  به المجالس مع كوكبة من أصحاب الرأى وفتحت له الصحف أبوابها وأهمها  صحيفة المؤيد  التي كانت وثيقة الصلة بالخديو  عباس حلمى الثاني ليكتب على صفحاتها مما زاد من نسبة مبيعاتها لإقبال الناس على شرائها لتميز مقالات مصطفى كامل بالأسلوب الوطنى والعلمى   .

كان اللورد كرومر Evelyn Baring, 1st Earl of Crome المعتمد البريطانى الحاكم الحقيقى لمصر بحكم الإحتلال ومنطق القوة ولكى يكون رئيس الوزراء المصرى خاضعا له وليس للخديو لم يكن يعين إلا بعد إستشارة هذا المعتمد وموافقته عليه ليصبح أداة فى يده وهذا ما تفعله النظم العربية حاليا فهى لا تعين رئيس وزراء إلا بعد التأكد من خضوعه التام لها فلا يقوم بأى عمل إلا بعد أن يوافق عليه رأس النظام الذى هو أصلا خاضع للنفوذ الأجنبى والذى يعلم أن كسر هذا الخضوع ولو مرة واحدة سيكلفه فقدان كرسيه بل وربما إعدامه مثل ماحدث مع رئيس العراق  صدام حسين  فأصبح رئيس الوزراء موظف عند المعتمد البريطانى يتلقى الأوامر والتعليمات منه ولا يبالى بالخديو حاكم البلاد الذى أصبح رمزا لبلده دون أى سلطة فعلية وهذا طبعا أدى إلى ضيق الخديو عباس حلمى برؤساء وزرائه أمثال رياض باشا ونوبار باشا وفهمى باشا ولكى يحكم اللورد كرومر قبضته على الوزارات عين رجالا بريطانيين تحت إسم مستشارين يكونوا بمثابة الوزراء الفعليين فى الوزارات لا يستطيع أى وزير مصرى أن يصدر أى قرار إلا بعد موافقتهم ويكون هؤلاء المستشارون مسؤولين عن كل وزارة من الوزارت المصرية أمام اللورد كرومر شخصيا ومنهم على سبيل المثال الدون غورست  الذى عينه مستشارا لوزارة الداخلية وأصبح فيما بعد المعتمد البريطانى بعد إقالة اللورد كرومر من منصبه على إثر حادثة دنشواى واصبحت خيوط الوزارة كلها فى يده ونستطيع أن نقول أن مذبحة دنشواى من تصميمه ولكى يسيطر اللورد كرومر على المديريات عيّن مفتشين من الإنجليز في كل مديرية من مديريات البلاد  .
وبذلك أصبحت المديريات ـ المحافظات الآن ـ  فى قبضة الإحتلال هى والحكومة المركزية وبذلك سيطر الاحتلال البريطانى على كافة المؤسسات المصرية فتمكن من إجبار الحكومة المصرية  إلى الانصياع لأمر ممثله اللورد كرومر بالانسحاب من السودان إثر إخفاق الحملة التي قادها هكس        Hicks   سنة 1883م للقضاء على الحركة المهدية في عهد الخديو توفيق ولكن سرعان ما جرد هو حملة على السودان بقيادة كتشنر Kitchener    1896 1898 م أعادت احتلاله ولا شك أن امر اللورد كرومر بالإنسحاب من السودان مع تجريد حملة أخرى لإحتلاله يعطى مؤشرا بعزل مصر عن السودان وإحتلاله بإسم بريطانيا العظمى  ولذلك كان من نتائج الحملة  إبرام معاهدة بين مصر وبريطانيا فى19 يناير 1899 م وقع عليها بطرس غالى باعتباره رئيس للوزراء خولت لانجلترا رسمياً الحق في الإشتراك في شئون حكم السودان ورفع العلم الإنجليزي وتعيين حاكم عام للسودان بناء على طلب بريطانيا تمهيدا لإبعاد مصر عنه وتقسيمه بين الدول الأوربية فوقعت بريطانيا مع إيطاليا إتفاقا فى 5 مايو 1894 م بموجبه قسمت  الدولتان شرق السودان فيما بينهما عقب إجلاء المصريين فأقرت بريطانيا ما أخذته إيطاليا على حدود البحر الأحمر فى الصومال ورخصت لها بإحتلال كسلا والأراضى المتاخمة لها الى نهر عطبرة إحتلالا مؤقتا الى أن يتاح للحكومة المصرية إستردادها وهذه الجملة الأخيرة ــ  الى أن يتاح للحكومة المصرية إستردادها ــ وضعت كسكين على رقبة إيطاليا لكى لا تتآمر مع فرنسا ضدها أو تمد أطماعها لإحتلال أراض لم تمنحها  لها بريطانيا  أو تتخذ  قرارات منفردة  تسبب مشاكل للإحتلال البريطانى لهذه المناطق  .

وبناء على هذا أقرت إيطاليا لبريطانيا إحتلالها زيلع وبربرة فأتاحت بريطانيا لإيطاليا إحتلالها  لكسلا والأراضى المتاخمة لها الى نهر عطبرة فى 17 يوليو 1894 م وطبقا لهذا التراضى بينهما أدخلت بريطانيا فى أملاكها هرر ومعظم أوجادين وبلاد الصومال إلى رأس جود فرى البارز على خليج عدن فتكون بسيطرتها على هذا الرأس قد سيطرت على مدخل خليج عدن ومدخل الطريق البحرى لساحل شرق أفريقيا وحتى جنوب أفريقيا فتمكنت بذلك من القضاء على النظم الإسلامية فى جزر مدغشقر وزنجبار وفى تنزانيا وموزمبيق وأوغندا  وأقامت مكانها نظما صليبية تدين لبريطانيا بالولاء وفى 12 مايو 1894 م عقدت مع بلجيكا معاهدة الغرض منها الحيلولة بين فرنسا الدولة الوحيدة المنافسة لبريطانيا وحوض النيل حتى تأمن من مواجهتها وقد حددت هذه المعاهدة الحدود بين ولاية الكونغو التابعة لبلجيكا وبين السودان وإقتطع الملك ليوبولد الثانى ملك بلجيكا إقليم اللادو وبحر الغزال وضمهما  للكنغو وأمام هذا رأت بريطانيا ضرورة زيادة عدد جيش الإحتلال لتتمكن من تنفيذ مخططها فى إحتلال كل توابع مصر فى افريقيا مثل السودان والصومال فإحتج على إثر ذلك المصريين الذين شعروا بالإستياء الشديد لظهور نية بريطانيا فى إستدامة الإحتلال وتنفيذ ذلك بالقوة وإعترضت تركيا وفرنسا على ذلك ولكن بريطانيا لم تأبه لإعتراضهما لأن القوة دائما يكون لها الكلمة العليا وأن الإحتلال لا يمنح الإستقلال لبلاد إحتلها عن طيب خاطر فقد ظلت مصر تطالب الإحتلال البريطانى بالرحيل عن مصر دون جدوى ولم يرحل إلا بعد ظهور المقاومة الشعبية بقيادة الإخوان المسلمين فى القاعدة العسكرية البريطانية لقناة السويس دعمها تغير موازين القوى فى العالم بظهور الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتى ـ روسيا حاليا ـ  كقوى عظمى حلت محل بريطانيا وفرنسا فى زعامة العالم عقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية 1945م اللتان قامتا بتهديد الدولتين المعتديتين على مصر بما يسمى  الإعتداء الثلاثى  1956 م  لإنضمام إسرائيل اليهما فى هذا العدوان باعتبارها كيان مزروع لتنفيذ استراتيجية الدول الصليبية,

وأنذرتهم الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة  الإنسحاب من مصر فى خلال 48 ساعة وإلا ستتدخل وبذلك يعد تصريح غلادستون رئيس وزراء بريطانيا بأن الحملة الإنجليزية على مصر ليس الغرض منها دوام إحتلالها وأن بريطانيا ملتزمة بوعودها بالجلاء  من قبيل تطييب خواطر المصريين وهو ما أكده فى رده على خطاب مصطفى كامل الذى طالبه فيه بضرورة إنجاز وعده برحيل الإحتلال البريطانى عن مصر فكان رده مخيبا للآمال إذ ذكر فيه بأنه مازال عند رأيه بضرورة إنتهاء إحتلال بريطانيا لمصر وأن وقت الجلاء قد وفَّىّ منذ سنين إلا أنه ترك منصبه ولم يعد مسؤولا وقال فى خطابه : لست الآن إلا فردا عاديا. وبالطبع هذا تهرب  من وعده فليس  خروجه من الوزارة مبرر لدوام الإحتلال لأنه كرجل مسؤول  يعبر عن رأى الدولة لا رأيه الشخصى وإتضح أن الرجل يكذب لأن إستراتيجية بريطانيا كانت هى السيطرة على الدول الضعيفة والمتخلفة أو ذات الأهمية الإستراتيجية لها ولا شك أن الدعوة التى وجهها مصطفى كامل  لمن يدعى من المسؤولين أنه من   المعارضين للإحتلال لتولى الوزارة لتنفيذ الوعد  بالجلاء عن مصر وقيامه برفض الدعوة تكشف مدى أكاذيب المسؤولين البريطانيين وتأكيد دعمهم للإحتلال من المؤيدين والمعارضين ولو كان جادا فى معارضته للإحتلال كان فى  إمكانه أن يقوم بمعارضة قوية ضد إحتلال مصر إلا أن الصمت الذى كان غالبا عليه عنوانا على الرضى بدوام الإحتلال وبناء على ذلك فقد إستمر إحتلال بريطانيا لمصر 80 عاما أى أكثر من ثلاثة أرباع قرن فالقوى الصهيوصليبية لها حسابات أخرى وهى وضع المنطقة كلها تحت نفوذها لكى تتمكن من إستغلالها وذلك بشحن شعوب الدول الأوربية بالحقد الصليبى على الإسلام والمسلمين لإستخدامه ذريعة لهذا الإستغلال وإنتهاك كرامة الشعوب الضعيفة.
 إذن فالإحتجاجات والإعتراضات لا تجدى فتيلا مادامت تفتقد إلى القوة التى ترغم الأعداء على الرحيل وهو ما أكده إحتلال بريطانيا للصين فلما تحررت بعد الثورة البلشفية بقيادة الزعيم الصينى ماو تسى تونج وطرد الإمبراطور الصينى منها أصرت بريطانيا على البقاء فى هونج كونج ذات الموقع الإستراتيجى الهام التى تتحكم فى بحر الصبن الجنوبى والمدخل إلى بحر الفلبين ووافقت الصين لأنها كانت دولة ضعيفة محاطة بالأعداء من  الخارج ويمرح فيها العملاء فى الداخل فلما تقدمت الصين وأصبحت قوة عظمى تحت حكم أنظمة وطنية سارعت بريطانيا بتقديم  مشروع لمجلس العموم البريطانى بالإنسحاب من هونج كونج والسماح للصين بضمها إليها ولم يلق معارضة ذات بال بل وأكثر من ذلك تم طرد مجلس الأمن الصين الوطنية من مجلسه وهى التى شكلها  الإمبراطور الصينى المطرود وأسرته وأتباعه من العملاء للإحتلال البريطانى فى جزيرة فورموزا ـ تايوان حاليا ـ  وقام مجلس  الأمن بإحلال الصين الشعبية أى الصين العملاق  مكانها .
هذا ما إكتشفه أحمد لطفى السيد عندما سافر إلى بعض الدول للدعاية للقضية المصرية والمطالبة بإستقلال مصر وأدرك أن الدعايات والإحتجاجات لا تجدى فتيلا  وأن أسلوب الدعاية للقضية المصرية فى أوروبا لا يكفى لإقناع بريطانيا بالرحيل ومنح مصر الاستقلال  وكتب تقريرا بذلك  عقب عودته  قرر فيه أن مصر لا يمكن أن تتحرر إلا بمجهود أبنائها وهو الأسلوب المهذب لرجل علمانى خاضع للإحتلال    ويخشى من سطوته وهو ما أدركه  فيما بعد مصطفى كامل إذ كتب يقول : أفيدكم انه لابد لي من سياحة في برلين وبطرسبورج  وحديثه دل على أن الهدايا والولائم هى التى جذبت الكتاب والمفكرين  لسماعه دون أن يكون لها أثر جاد دل على ذلك قوله : إني أصرف كثيرا جدا علي الولائم الخصوصية والهدايا فهما العاملان الوحيدان في جلب الكتاب إلينا كما جاء فى خطابه الذي أرسله من فيينا وذكر فيه أن ما لديه من النقود لا يكفييه إلاّ لآخر سبتمبر ويعضد ذلك  الحديث الذى دار بينه وبين الكولونيل يارنج أخى اللورد كرومر وضحت فيه نية  بريطانيا فى إحتلال السودان وجعل إحتلال السودان وسيلة لدوام إحتلالها لمصر مما أدى إلى ظهور ما يعرف بالمسألة الشرقية التى حاولت فيها بريطانيا تقنين دوام الإحتلال لمصر وظهور ما يسمى بوزارة المستعمرات البريطانية مما دل على دوام إحتلالها للبلاد وهذا جعل مصطفى كامل يؤلف كتابا بعنوان المسألة الشرقية في عام   1316هـ / 1898م ليرد فيه على الإدعاءات التى ساقها اللورد كرومر فى محاولة لإسباغ الشرعية القانونية على  إحتلال مصر ويعتبر من الكتب الهامة في تاريخ السياسة المصرية التى إستندت على الطابع الدولى للقضية المصرية من ناحية وعدم شرعية الاحتلال قانونيا من ناحية أخرى وبها تمكن مصطفى كامل في صفع الإحتلال قانونيا وذلك بإبرازه أن الوضع السياسي في مصر لا يزال يستند من الناحية القانونية إلى معاهدة لندن التي تم التعاقد عليها  بين تركيا وبين محمد علي باشا وصدقت عليها الدول الأوربية وعلى رأسها بريطانيا نفسها وأكدتها فرمانات السلطان العثمانى إلى محمد على والحكومات المصرية المتعاقبة إلى جانب الفرمانات التي صدرت من السلطان العثمانى إلى الخديو إسماعيل بشأن إختصاصات ومسئوليات الخديوية وتمكن الخديو عباس حلمى من الإستناد عليها فى الدفاع عن وجهة نظره فى عدم شرعية الاحتلال وأصبح الصدام وشيكا بينه ؤبين اللورد كرومر المعتمد البريطانى فراح  اللورد كرومر يطلب من بريطانيا الضغط على السلطان العثمانى لعزل الخديو عباس حلمى الثانى وراح الخديو عباس يستعين في صراعه ضد اللورد كرومر ومعارضته للإحتلال بالقوى الداخلية وخاصة بالشاب النابه مصطفى كامل الذى جمعهما هدف واحد وهو محاربة الإحتلال  وفي هذا الصدد أكد الباحث لمعي المطيعي : أن مصطفي كامل كان يجاري الخديوي بسبب علاقته به في عدد من المواقف كموقفه من الثورة العرابية ومن الدولة العثمانية ومن فرنسا  والتقى الخديو عباس حلمى بمصطفى كامل وأحمد لطفى السيد وعدد من الوطنيين بمنزل محمد فريد وتم تأليف جمعية الحزب الوطنى كجمعية سرية إختاروا مصطفى كامل متحدثا رسميا لها لطلاقة لسانه ولمعرفته بأبعاد القضية المصرية كما جعلوا الخديو عباس حلمى رئيسا لها الذى لم يكن يجرؤ على المقاومة العلنية ولذلك إتخذ لقب الشيخ  إسما مستعارا له واتخذ مصطفى كامل لقب أبى الفدا له حتى لا يصل الإحتلال عن طريقه إلى الخديو كما إتخذ بقية أعضاء الجمعية أسماءً مستعارة لهم  ولم يكن الخديو عباس حلمى  يفكر فى التخلص من الإحتلال نهائيا وذلك لخوفه من أن تؤدى هذه المغامرة إلى فقدانه عرش مصر ولم يكن لديه القوة التى تمكنه من التخلص من هذا الإحتلال فبدأ في تأليف لجنة سرية للاتصال بالوطنيين المصريين عام 1895م من أجل الدعاية لقضية استقلال مصر وقد عُرفت باسم  جمعية أحباء الوطن السرية لأنه أراد أن يستقل بالسلطة عن سيطرة الإنجليز ساهم فى هذا ضعف الدولة العثمانية أمام قوة بريطانيا العسكرية فكانت معارضته للإحتلال تستهدف فقط  وضع خطوط واضحة بين سلطته وسلطة الإحتلال التى يمثلها اللورد كرومر الذى أصبح الحاكم الفعلى لمصر بحكم كونه مندوبا معتمدا للإحتلال البريطانى دلنا على ذلك تصريح الخديو عباس حلمى هذا على الحملات التى أطلقتها الصحف ضد المعتمد البريطانى الجديد الدون غورست إذ قال فى تصريحه : إن الرجل كانت نيته ولاتزال طيبة بالنسبة لمصر والمصريين والدليل على هذا طلب العفو عن مسجونى دنشواى فكأن القضية ليست إحتلالا بل هى فى نظره  أسلوب معاملة وهكذا يكون إستنكار النظم العميلة لأسلوب المعاملة وليس من الإحتلال ذاته وهو ما نراه اليوم فى النظم العربية العميلة لا يصدر لها ضجيج إلا عند إساءة معاملتها من الدول ذات النفوذ الصهيوصليبى دون التفكير فى التحرر منه فإذا أحسن هذا النفوذ معاملتهم كانوا إلى جانب الرضا عن أسيادهم أقرب والدليل على ذلك أنه    في نفس العام الذى تولى فيه الدون غورست والذى منح الخديو سلطات محدودة حتى يضمن وقوفه مع الإحتلال  أو على الحياد طلب الخديو من مصطفى كامل أن يعود إلي مصر  فأرسل مصطفى كامل رسالة لصديقه محمد فؤاد سليم يقول له فيها : إن الخديوي عباس لم يعد يرسل له المال الكافي لكنه رغم ذلك فهو مصمم علي عدم الرجوع ويطلب من أصدقائه في مصر أن يمدوه بالمال من أجل الوطن وإضطر مصطفى كامل أخيرا أمام العسر المادى للعودة في 9 يناير 1896 م وتجاهل الخديو التماساته في طلب المقابلة فخاب أمله فيه ولما أبدت جريدة المؤيد نوعًا من الفتور في نشر بعض مقالاته بعد فتور علاقات الخديو معه سارع في إصدار جريدة  اللواء  فى 2 يناير1900 م التي انطلق منها للدفاع عن القضية المصرية وتعبئة الرأى العام ضد الإحتلال وكان يقبل على قراءتها المثقفون بكل شغف فهى ذات لون مقاوم لا مهادنة فيه مع الإحتلال فمصطفى كامل كان من أكبر المناهضين للاحتلال البريطانى بحكم نشأته .

وفي أوائل ديسمبر 1907 م وقبل وفاته بـ 100 يوم دعا إلي تأسيس الحزب الوطني  وانعقدت الجمعية العمومية لأول مرة في فناء دار اللواء الذي تألف برنامجه السياسي من عدة مواد أهمها : المطالبة باستقلال مصر كما أقرته معاهدة لندن 1840م وإيجاد دستور يكفل الرقابة البرلمانية على الحكومة وأعمالها وخطب مصطفي كامل  بالرغم من مرضه خطبة أطلقوا عليها خطبة الوداع قائلا : إننا لسنا حزبًا سياسيا فقط  نحن قبل كل شيء حزب حياة للأمة إنكم أنتم قوتي وساعدي بصفتكم من خير أمة أوقفت لخدمتها حياتي  معبرا عن رأى الحزب لتعرية سياسة لإحتلال البريطانى البغيضة فأصدر طبعتين إنجليزية و فرنسية من جريدة اللواء للقارئ الأوروبي كما هاجمت صحيفة اللواء رئيس الوزراء المصري بطرس باشا غالي لموالاته للإنجليز و إصداره أحكام بالإعدام و الجلد في حادثة دنشواي  مما أهاج المصريين ضده حتي قام شاب اسمه إبراهيم الورداني باغتياله عام 1910م أثناء خروجه من مقر رئاسة الوزراء  كما أدى إلى ثورة 1919 بقيادة البطل المصرى العظيم سعد زغلول والذى يقوم الأقزام حتى الآن بمهاجمته ليلوثوا تاريخه المجيد فى الدفاع عن وطنه ونحن لا نعتمد على عاطفتنا الوطنية تجاه هذا الوطنى العظيم بل نعتمد على أفعاله وتضحياته فى سبيل إستقلال مصر والتى قامت ثورته للمطالبة بجلاء قوات الإحتلال البريطانية وإعلان الدستور
وإلى الجزء الثالث والأخير من منحة الله لشعب مصر بعد  المحنة  الحلقة الحادى عشر :
 

 

76,380 عدد المشاهدات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *