انتبه ! اسمك فى نهاية ” قائمة ” الموتى !

 من روائع الأديب الكاتب
 السعيد الخميسي

* كانت ليلة رعدية ممطرة مظلمة , البرق فيها والرعد ينذران بكارثة خطيرة , ربما تحل بأهل هذه القرية أو قريبا من دارهم . فى تلك الليلة الرعدية , أحاط الظلام الدامس بأركان القرية من كل جانب , حتى أن أحدهم إذا اخرج يده لم يكد يراها. كانت الريح العاتية تزمجر زمجرة الأسود الجائعة التى تبحث عن فريسة . كل الكائنات الحية تهرول خائفة فى كل اتجاه بلا هدف منشود وكأنها حمر مستنفرة , فرت من قسورة من هول الخوف والرعب . كانت جذوع الأشجار وفروعها تتمايل يمينا وشمالا وكأن زلزالا مدمرا قد دك الأرض دكا .  كل أهل القرية فى سبات عميق وقد سرحت بهم أحلامهم وكأنهم فى واد سحيق . ماهى إلا لحظات قليلة , حتى هب الناس من نومهم منزعجين خائفين مرتعشين من صوت فظ غليظ خشن يقتحم أسماعهم من على أطراف قريتهم , وكأنه بركان ثائر  مدمر حل بهم من أعماق المحيط المضطرب الهائج .
الصوت ينادى وبقوة منقطعة النظير ” أيها الناس : “هلم إلى .. أيها الناس : هلم إلى..” ولم ينقطع الصوت حتى هرع كل الناس إلى مصدر الصوت فوجدوا رجلا طويل القامة وكأنه نخلة شاهقة تتحدى الريح العاتية .  هذا الرجل يبدو وكأنه شديد سواد الشعر , لايرى على وجه المخيف أثر السفر . عيناه بارزتان وكأنهما لؤلؤتان, تدوران بل وتحملقان فى الناس وكأنهما تبحثان عن هارب عليه حكم بالإعدام فى قضية كبيرة. فى يده اليسرى عصا غليظة يتكئ عليها , وفى يده اليمنى ورقة كبيرة قديمة متهالكة ولكنها ملفوفة مثل كشف انتظار المرضى فى مستشفى حكومى متهالك .
* وقف أهل القرية مندهشين خائفين تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت . لايدرون من هذا الرجل وماذا يريد ومن أين جاء وهل هو شيطان رجيم أم ملك كريم ..؟ هم ينظرون إليه وهو ينظر إليهم بلا حديث . وفجأة اخترق صوت هذا الرجل الأسود الطويل القامة جدار الصمت وخاطبهم قائلا : ” أيها الناس : لست دجالا ولا مشعوذا  ولا ساحرا ولا أريد منكم جزاء ولاشكورا , أريد فقط منكم أن تنصتوا إلى فالأمر جد خطير ,  جئتكم بنبأ عظيم . وإذا به يفتح تلك الورقة أو الكشف الطويل الذى فى يده اليمنى ويخبرهم بثقة ويقين أن فيه أسماء الذين سيحل بهم الموت فى الأيام القادمة , وعليهم أن يسمعوا فقط ليستعدوا للنهاية . ارتعدت فرائس الناس واضطرب نبض القلوب , وزاغت الإبصار وبلغت القلوب الحناجر وتيقن الناس أن الذى يقف أمامهم ليس بشرا عاديا بل هو ” ملك الموت ” . طلب منهم أن يجلسوا فى صفوف متراصة ومن يسمع اسمه فليقف ويعرفه بنفسه . انقطعت الأنفاس وخيم الحزن على الناس , وبدأ هذا الرجل المخيف يقرأ عليهم الأسماء المسجلة وكأنهم تلاميذ ينتظرون نتيجة امتحان تسرب إليهم من داخل الكنترول . وطوال هذه الدقائق الثقيلة لم يقف أحد , ولم يسمع أحد اسمه , حتى مرت الثوانى والدقائق وهى أثقل من جبال تهامة على رؤوسهم , ولما لا ..؟ انه الموت ياسيدى الذى لا شفاعة فيه ولا واسطة ولا عذر ولا تأجيل ولا تأخير .

* وقبل أن ينتهى الرجل من قراءة  ” كشف الموتى “ وحتى وصل إلى السطر الأخير , إذ به ينادى على رجل من أغنى الأغنياء فى هذه القرية , له سلطان على  كل فرد فيها . رجلا كان أو امرأة , صغيرا كان أو كبيرا , كان يفرض الإتاوات الباهظة على أهل الفرية ظلما وعدوانا مقابل أن يسلموا من شره وآذاه . وكان يجلس فى مقدمة الصفوف , وما إن سمع اسمه حتى وقف مرتعشا باكيا نادبا حظه السئ وقدره الأليم الذى وضع اسمه فى نهاية الكشف .
تيقن الرجل  أنه سيموت لامحالة , فظل يتوسل لهذا الرجل الأسود الطويل القامة ويبكى وينتحب ويهتز ويرتعش , ليمحو اسمه من هذا الكشف . وتحت إصرار الرجل الغنى القوى وعده الرجل الأسود المخيف بحذف اسمه من هذا الكشف شريطة إن يرد المظالم إلى أهلها , ومنحه فرصة ثلاثة أيام لتسوية وتوفيق أوضاعه مع كل مظلوم له حق عليه . فرح الرجل وانفرجت أساريره , وتيقن أن عمرا جديدا قد كتب له . 
هب مسرعا لينادى بلهفة دون غفلة فى هذا الجمع الغفير , أيها الناس : من كانت له مظلمة عندى فليأتى إلى وليقتص منى . فوجئ الرجل أن كل أهل القرية يصطفون على بابه وكأنهم أهل قرية فقيرة بائسة تصطف على مخبز أو جمعية تموينية . كل قد كتب مظلمته ويريد حقه . فمنهم من نهب ماله , ومنهم من سفك دما له , ومنهم من انتهك عرضه , ومنهم من اغتصب حرمة له . وظل هذا الرجل يسدد ماعليه من مظالم بدفع أموال طائلة لأصحاب الحقوق وهو فرح مسرور , فقد كان غنيا وعنده من المال مايكفى ويزيد . لقد كان يتوسل إلى الناس أن يسرعوا لياخذ كل ذى حق حقه قبل مرور مهلة الثلاثة أيام . فهو لا يخشى غير الموت ولا شئ قبله ولا بعده .
* ولما فرغ الرجل من رد المظالم إلى أهلها وقد أو شكت المهلة أن تنقضى وتمر , سأل الناس جميعا : هل تبقى منكم من أحد..؟ فرد رجل مظلوم , نعم , أنت  طلقت زوجتى منى وتزوجتها رغما عنى تحت التهديد وأريد تعويضا. نظر الرجل عن يمينه وشماله فإذا به وقد نفذت كل أمواله ولم يعد لديه مايسد حق الرجل غير بيته الذى يسكن فيه , فأعطاه للرجل المظلوم , وبهذا صار هذا الغنى القوى من أفقر واضعف الناس . غير أنه كان فرحا مسرورا لان رقبته سوف تنجو من حبل الموت .
ولما شعر الرجل أنه قد رد المظالم إلى أهلها ظل يصرخ ويصيح من شدة الفرح فى نوبة هستيرية , الحمد الله.. الحمد الله .. نجوت من الموت , نجوت من الموت وسيمحى اسمي من الكشف..! اليوم أنا حى وعلى قيد الحياة حرا طليقا  . وإذا بزوجته تستيقظ من جواره منزعجة خائفة من حالة الهياج التى أصابت زوجها  وكأنه ثور هائج قد وضع السكين فوق رقبته , قائلة له : ماذا أصابك..؟ ماذا دهاك ..؟ وحتى تهدئ من روعه أحضرت له كوبا من عصير الليمون , فهدأ الرجل قليلا وقص عليها ” الحلم المزعج ” الذى رآه فى تلك الليلة المخيفة ” فأيقنت الزوجة أن زوجها ظالم وباغ وعليه دماء وأموال لخلق الله الأبرياء . فطلبت منه وألحت عليه إن يحول الحلم إلى حقيقة وأن يبدأ وكان المهلة التى أعطاها له الرجل الأسود وقد بدأت من تلك اللحظة .

* وبالفعل بدأ الرجل فى الواقع برد المظالم إلى أهلها بدفع دية القتلى , ورد الأموال إلى أهلها , واستسمح كل من له مظلمة معنوية وأدبية حتى خرج من هذا الموقف كيوم ولدته أمه , لا له ولا عليه . وفى نهاية اليوم الثالث فى أيام المهلة المحددة , خرج الرجل ليشكر الناس على قبول العذر والعفو عنه ,وإذ بسيارة مسرعة طائشة تصدم الرجل فيخر ساقطا غارقا فى دمائه, وقد فشلت كل محاولات الأطباء لإنقاذه . فقد كان الجرح عميقا والنفس منقطعا والنبض مضطربا والضغط مرتفعا , فلفظ أنفاسه الأخيرة .

شيعه كل سكان القرية وهم يبكون ويترحمون عليه وهو الذى ظلمهم وقتلهم وانتهك أعراضهم فى يوم ما , لكن الله هيأ له هذا الحلم المزعج ليرد لكل ظالم مظلمته تصديقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ” إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى مايكون بينه وبينها ذراع . فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها .وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينه ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها  ” إنه حسن أو سوء الخاتمة .

* لكن السؤال هو : هب جدلا أنك أنت  ذاك الرجل الذى كان اسمه فى نهاية كشف الموتى . ماذا أنت فاعل ؟ أمامك مهلة ثلاثة أيام لرد المظالم إلى أهلها . عليك ديون , عليك حقوق للناس , عليك مراجعة موافقك من الله ومن الناس ومن نفسك .  عليك مراجعة نفسك هل تقف فى خندق الحق أم الباطل ..؟. فهل تستيقظ من سباتك العميق ؟ هل تبحث عن طريق الحق فتتبعه وتبحث عن طريق الباطل  فتجتنبه ؟ هل مازلت تتعاطف مع اللصوص والمجرمين والقتلة والسفاحين ؟ هل مازلت تعادى دينك ووطنك ؟ هل مازلت غارقا فى مستنقع الفساد ؟ هل مازلت نائما فى كهف مظلم على جماجم العباد ؟ هل مازلت نائما يدعو عليك المظلوم وعين الله لم تنم ؟ هل مازال الخيط الابيض ملتبسا لديك بالخيط الأسود ؟,فلم تعد تفرق بين حق وباطل, بين ليل ونهار , بين جهل وعلم , بين الأفاضل والأراذل , بين الحلال والحرام ..؟  هل مازلت تقف فى المعسكر المعادى لامتك العربية والإسلامية تبحث عن المال والجاه والسلطان والنفوذ ؟

هل لك عذر بين يدى الله ولو حتى ألقيت معاذيرك ” ألم يأتك قول الحق ” بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ” وقوله ” كل نفس بما كسبت رهينة ” ألم تسمع قول الإمام على  : ليس من طلب الحق فاخطأه كمن طلب الباطل فأدركه . هيا أسرع , أمامك مهلة ثلاثة أيام كتلك التى أعطاها الرجل الأسود المخيف الطويل القامة فى تلك الليلة العاصفة الرعدية للرجل الغنى القوى الظالم فى منامه لكى يرد المظالم إلى أهلها . وإلا فالموت سوف يضمك فى أحضانه , إنه الحض الأخير الذى لا حياة ولا نفس ولا نبض بعده . . هيا افعلها ولا تردد , فإن فعلت فانك إذا من المؤمنين المتقين العاقلين . لاتؤجل فالموت آت لامحالة ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء اجلها .
اللهم بلغت .. اللهم فاشهد . والله من وراء القصد والنية .
           

 

23,436 عدد المشاهدات

تعليق 1 “انتبه ! اسمك فى نهاية ” قائمة ” الموتى !

  • 8 سبتمبر، 2017 at 5:54 مساءً
    Permalink

    روعة. ما شاء الله عليك. الله يبارك فيك ويزيدك علماً نافعاً

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *